Loading...

قرض البنك الدولي... أمل أم وعود فارغة للكهرباء في لبنان؟

 

لا تعد أزمة الكهرباء في لبنان وليدة الأعوام الأخيرة. فمنذ انتهاء الحرب الأهلية، تحول القطاع إلى ثقب مالي أسود استنزف خزانة الدولة وبلغت خسائره نحو 40 مليار دولار منذ عام 1990، وعلى رغم ذلك لا تزال البلاد تفتقر حتى اليوم إلى قطاع كهرباء فعال قادر على توفير خدمات موثوقة للمواطنين.

 

لكن هذا القطاع يتوقع انفراجة اليوم عبر تمويل من البنك الدولي بعدما وقعت الحكومة اللبنانية في 24 أبريل (نيسان) الماضي قرضاً بقيمة 250 مليون دولار لتنفيذ مشروع "الطاقة المتجددة وتعزيز النظام الكهربائي"، ويهدف إلى تمكين خدمات كهرباء أنظف وأكثر موثوقية وكفاءة بما يؤمن جزءاً مهماً من حاجات المواطنين.

 

هذا التمويل أبرز تساؤلات جدية حول قدرته على إحداث فرق ملموس. ويبقى السؤال الأهم: هل ستترجم هذه الأموال إلى حلول ملموسة على الأرض أم ستبقى وعوداً لا تنفذ؟

 

تفاصيل المشروع

حينما حاولنا الحصول على تصريح من وزارة الطاقة حول قرض البنك الدولي وكيفية مساهمته في إنهاء النزف المالي في قطاع الكهرباء، امتنعت الوزارة عن الرد، مكتفية بالقول إن مؤتمراً صحافياً مرتقباً سيكشف كل التفاصيل.

ولضمان الوصول إلى المعلومة، تقدمنا وفق قانون حق الوصول إلى المعلومات بطلب رسمي إلى وزارة الطاقة بتاريخ 23 سبتمبر (أيلول) الماضي حمل الرقم 2025/2395 للحصول على معلومات حول حجم الخسائر والنزف المالي في قطاع الكهرباء خلال العقد الأخير.

 

وعلى رغم تواصل الوزارة معنا هاتفياً وتعهدهم الإجابة عن أسئلتنا، فإنه ولغاية تاريخ إعداد هذا التقرير، لم نتلق أي رد.

وفي تصريح سابق، أوضح وزير الطاقة جو صدي أن مهلة تسديد هذا القرض تمتد إلى 30 عاماً على أن تعفى الدولة اللبنانية من السداد في الأعوام الثمانية الأولى. وهو مخصص لتطوير قطاع الكهرباء في لبنان ضمن 3 أجزاء:

 

الأول: مرتبط بالطاقة الشمسية حيث سيتم تأهيل معمل بطاقة إنتاج تبلغ 150 ميغاوات وسيعيد تأهيل ثلاث محطات كهرومائية على نهر الليطاني.

الثاني: مرتبط بتمويل إنشاء مركز تحكم وطني جديد للطاقة، بما يتيح مراقبة وإدارة شبكة الكهرباء على نحو أكثر دقة وكفاءة.

الثالث: متعلق بتحسين شبكة النقل وبناء القدرات داخل مؤسسة كهرباء لبنان من حيث إعادة تحديث نظام الفوترة والجباية.

 

كما وقع صدي في سبتمبر الماضي عقود شراء طاقة (PPA)  مع مجموعة "CMA CGM"، تتضمن منح ثلاث رخص لإنشاء مزارع طاقة شمسية بقدرة إجمالية تبلغ 45 ميغاوات موزعة بين جبل لبنان والشمال والبقاع. وأشار صدي إلى أن الحكومة كانت قد منحت عام 2022 إحدى عشرة رخصة لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية بقدرة 15 ميغاوات لكل منها، لكنها بقيت معظمها معلقة، مع منح أصحاب الرخص مهلة حتى نهاية 2025 لاستكمال الشروط والبدء بالتنفيذ.

 

2 (98).jpg

 

وفي سبتمبر الماضي أطلقت وزارة الطاقة والمياه، خطة العمل الوطنية للطاقة المتجددة في لبنان، خلال أسبوع بيروت للطاقة 2025. وهي خريطة طريق استراتيجية توضح طموحات لبنان في مجال الطاقة المتجددة، وأولويات التنفيذ للسنوات المقبلة. والخطة ستكون حجر الزاوية لأهداف لبنان في هذا المجال على المدى القصير والطويل، مما يدعم قدرة البلاد على التحمل، والإيفاء بالتزاماتها المناخية.

 

اللافت في هذه الخطة أنها أطلقت بشكل مفاجئ ولم تحظ بنقاش عام كاف مع الخبراء في مجال الطاقة المتجددة مما يعيدنا للحديث الدائم عن أهمية الحوكمة في إدارة مشاريع الطاقة لا سيما المتجددة منها.

 

الحوكمة والرقابة على إدارة القرض

يطرح هذا القرض تساؤلات جدية حول الشفافية والحوكمة. الخبيرة القانونية في مجال الطاقة كريستينا أبي حيدر، توضح أن العقود مع البنك الدولي تضمن معايير الحوكمة، لكن المشكلة تكمن في تطبيقها، إذ إن غياب المساءلة القضائية والمالية يجعل المسؤولين غير معرضين للمحاسبة.

 

وتقول إن المسؤولية القانونية في حال لم تصرف الأموال في وجهتها تقع أولاً على عاتق الحكومة ووزيري المالية والطاقة ومؤسسة كهرباء لبنان، ثم على مجلس النواب الذي صادق على القرض. مضيفة "المشكلة أن غياب المساءلة هو ما يجعل الملفات تفتح وتطوى من دون نتيجة، كما حصل في قضايا الفيول المغشوش أو ملفات أخرى بقيت عالقة في القضاء"، مما يعكس هشاشة المؤسسات وغياب المحاسبة.

 

وحول أهمية المشاريع التي سيمولها قرض البنك الدولي، شددت أبي حيدر على إيجابية حصول لبنان مجدداً وبعد أعوام على قرض من البنك الدولي وتحديداً لقطاع الطاقة، "إلا أن العبرة تبقى في حسن التنفيذ وفي كيفية استخدام أموال القرض المحددة بنوده، خصوصاً أنه قرض وليس هبة".

 

1 - 2025-11-11T154654.837.jpg

 

خطة وطنية شاملة

ترى أبي حيدر أن "القرض لن ينجح إلا إذا وضع ضمن خطة وطنية شاملة للانتقال إلى الطاقة المتجددة، لا أن يبقى مجرد مبادرة معزولة. إذا نظرنا إلى الخطط السابقة، نجد أن أياً منها لم ينفذ فعلياً. المعيار الأساس اليوم هو وضع خطة وطنية متكاملة، بخاصة أن كل التمويل من البنك الدولي يندرج في إطار تحفيز الطاقة المتجددة وتخفيف الانبعاثات الكربونية. ولبنان ملتزم قانونياً بتخفيض انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة 30 في المئة بحلول عام 2030".

 

وتوضح، "لا توجد لدينا هيئة رسمية تصدر هذه الخطة باسم الدولة، بل غالباً ما تأتي من مبادرات فردية. لكن في الحقيقة، لم يصدر حتى الآن أي خطة وطنية جدية لكفاءة الطاقة تكون واقعية وقابلة للتطبيق".

 

وأضافت، أن القرض يشمل مشروعاً نموذجياً لإنتاج 150 ميغاوات من الطاقة الشمسية، لكن الأهم ترجمته إلى خطة وطنية شاملة قابلة للتنفيذ، مؤكدة أن العبرة ليست في إعلان الخطط أو المؤتمرات، بل في تنفيذ الإصلاحات بصورة جدية ومستدامة، مشددة على أن "المواطن اللبناني الذي سئم العتمة لا ينتظر مزيداً من الخطط، بل يريد كهرباء متواصلة بسعر عادل وآلية شفافة".

 

تجدر الإشارة إلى أن القدرة الإنتاجية لمحطات الكهرباء في لبنان ونظراً إلى عدم توافر الوقود تعاني عجزاً واضحاً. يترافق ذلك مع الهدر التقني وغير التقني مما يعني الحاجة إلى إعادة تأهيل للشبكات والبنى التحتية. ما دفع وزير الطاقة لمطالبة مؤسسة الكهرباء بوضع خطة مستدامة لمكافحة هذا الهدر أو هذه السرقات، وهناك تواصل مع القوى الأمنية من الجيش وقوى الأمن الداخلي لدعم المؤسسة عند بدء العمل على الأرض بهذه الخطة.

 

من جانبها، ترى النائبة نجاة صليبا أن القرض الجديد الذي وقعته الدولة، والبالغ 250 مليون دولار، يوجه في معظمه نحو مشاريع الطاقة البديلة، وهي مشاريع محدودة لا يمكن أن تخفف من الاعتماد على مولدات الكهرباء.

وتؤكد أن القرض لا يمكن أن يشكل حلاً شاملاً، بل خطوة جزئية تحتاج إلى استراتيجية متكاملة تشمل صيانة الشبكات والمعامل، وإزالة التعديات، وتأمين مصادر وقود مستدامة.

 

فمعالجة هذه المشكلة تحتاج إلى استراتيجية كبيرة تشمل: تحسين وتشغيل وصيانة المعدات أو المنشآت القائمة حالياً، سواء في معمل الذوق أو في غيره من المعامل. وهذا يتطلب كلفة عالية جداً، لأن التوربينات الموجودة قديمة للغاية، ويحتاج الأمر إلى خطة مالية تضمن الاستمرارية وتوفر حلولاً مستدامة.

 

كما يتطلب صيانة للشبكة الكهربائية، ومشاريع محلية في مجال الطاقة البديلة للتخفيف من الاستهلاك، إضافة إلى إزالة التعديات وتأمين مصادر وقود مستدامة. كل ذلك لا يتحقق إلا عبر استراتيجية متكاملة. أما الحلول الوقتية المتاحة حالياً، فهي لا تساعد سوى بعض المنشآت والمؤسسات، وتشكل معالجة جزئية وضئيلة جداً من الخطة الشاملة أو من مسألة إعادة التغذية الكهربائية ككل.

 

وفي السياق عد إقرار إنشاء الهيئة الناظمة للكهرباء في سبتمبر الماضي محطة إصلاحية أساسية بعد تعطيل استمر 23 عاماً للقانون 462. لكن الشكوك ترافق هذه الخطوة، بحسب أبي حيدر، سواء لجهة آلية تعيين أعضائها أو قدرتها على ممارسة دورها بعيداً من التدخلات السياسية.

وتضيف أن "الهيئة تحتاج إلى وقت لإعداد أنظمتها، وتنظيم المناقصات، وإشراك القطاع الخاص، مما يعني أن المواطن لن يشعر بأثر مباشر قبل أعوام".

 

أهمية الهيئة الناظمة

عدم وجود هيئة ناظمة منذ عام 2002 كان سبباً أساساً في عدم تطور قطاع الكهرباء، حيث كان القانون يلزم وجود هيئة ناظمة لترخيص أي منتج كهرباء جديد يريد الدخول إلى السوق.

 

ومنعت هذه الثغرة القانونية دخول شركات جديدة إلى القطاع وحالت دون زيادة إنتاج الكهرباء، حيث كان الوزراء المتعاقبون يحتفظون بصلاحيات واسعة تشمل كل الصفقات في قطاع الكهرباء من شراء الوقود إلى بناء المعامل وتأجير البواخر. استمر هذا الوضع لعقود طويلة بسبب عدم رغبة الجهات السياسية في التخلي عن هذه الصلاحيات المالية الضخمة.

 

تهدف الهيئة الناظمة بصورة أساسية إلى تشجيع المنافسة في القطاع من خلال ترخيص منتجين وموزعين جدد للكهرباء، وتحقيق الفصل بين صلاحيات الوزير وصلاحيات الهيئة الناظمة. يقسم قانون 2002 قطاع الكهرباء إلى ثلاثة أقسام رئيسة: الإنتاج والنقل والتوزيع، مما يفتح المجال أمام دخول شركات خاصة في مجالي الإنتاج والتوزيع بينما يبقى النقل تحت إشراف الدولة كقطاع استراتيجي.

 

أزمات وأعباء مزمنة تتطلب حلولاً

عن أسباب انهيار قطاع الكهرباء في لبنان لفتت أبي حيدر إلى أسباب عدة أهمها الهدر، السلفات المتكررة، ضعف مجالس الإدارة، والانهيار المؤسساتي داخل مؤسسة كهرباء لبنان، مع تراجع عدد الموظفين وغياب الحافز للعمل.

 

وتضيف أنه بسبب السياسات المتراكمة عبر أعوام، تكبدت الموازنة العامة عجزاً كبيراً في قطاع الكهرباء. فقد كانت هذه السياسات تتكرر عاماً بعد عام، مما أدى إلى هدر كبير للأموال. المجتمع الدولي نبه مراراً، لكن كل تلك الأعوام السابقة ذهبت سدى وضاعت الأموال بلا جدوى، وكأنها أحرقت حرفياً.

 

إلى جانب ثغرات القوانين، يواجه اللبنانيون العبء اليومي لفاتورة المولدات. هنا تصف صليبا، الوضع بأنه "استغلال ممنهج للمواطن"، إذ يدفع اللبناني أغلى فاتورة كهرباء في العالم، بعدما تحولت المولدات إلى اقتصاد مواز يغذي الزبائنية السياسية.

 

وتعد أن الإجراءات التي يجب أن تتخذها الدولة تبدأ أولاً بفرض تركيب عدادات على جميع المولدات، بحيث يلزم أصحابها باستخدامها. أما الخطوة الثانية، فهي الرقابة على التسعيرة، مع إلزام أصحاب المولدات بالتقيد بالتسعيرة الرسمية التي تحددها الدولة.

 

وعقب المهلة التي أعطتها الحكومة لأصحاب المولدات وتهدف إلى تنظيم أوضاع القطاع من ناحية الالتزام بالتسعيرة الرسمية الصادرة عن وزارة الطاقة، تركيب العدادات بصورة إلزامية، والخضوع للجولات الرقابية التي تقوم بها فرق الوزارة بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية، قالت صليبا "لقد تواصلت مع وزير الاقتصاد، وهو مصر جداً على الالتزام. وهو منحهم مهلة، ونحن بدورنا ننتظر انتهاءها قبل أن نحكم على القرار".

 

وأضافت، "في الوقت نفسه قمنا بدراسة تجريبية في منطقة الأشرفية، بدأنا بها منذ نحو ستة أشهر، حيث التزم أكثر من 200 مولد بجميع الشروط البيئية. ونعد ذلك إنجازاً كبيراً، لكنه محدود على نطاق لبنان بأكمله".

 

وتؤكد صليبا، التي أجرت دراسة عن تلوث الهواء، أن 50 في المئة من التلوث بالمدن مصدره المولدات الخاصة. مؤكدة أن هذا الأمر يضاعف الفاتورة الصحية إلى حد بعيد، ويزيد من خطر الإصابة بالأمراض المزمنة، فضلاً عن الأعباء المالية على وزارة الصحة.

 

دعم المنظمات الدولية أساسي

في ظل أزمة الكهرباء، تبرز مبادرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) كأحد الجهود المستمرة لدعم قطاع الطاقة وتحسين الخدمات العامة.

 

شملت هذه المشاريع عدداً واسعاً من المؤسسات العامة، منها المدارس الرسمية والمستشفيات الحكومية والجامعة اللبنانية وقصور العدل والسرايات ومراكز التعليم المهني والتقني، إضافة إلى مبان تابعة لقوى الأمن الداخلي والجيش اللبناني ومؤسسات حكومية أخرى، فضلاً عن جهات من القطاع الخاص. وعلى رغم أن هذا لا يتجاوز 0.1 في المئة من مجمل الطلب الوطني، فإن أثره نوعي، بخاصة على استمرارية عمل المؤسسات العامة.

 

يقول مدير برنامج الطاقة والبيئة في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي فاهاكن كاباكيان، إنه منذ عام 2009 وحتى عام 2025، نفذ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مشاريع طاقة متجددة في أكثر من 235 موقعاً في مختلف المناطق اللبنانية، بإجمالي طاقة مركبة بلغ نحو 12.5 ميغاوات. وأشار إلى أن لبنان يضم عدداً من منشآت الطاقة الكهرومائية (الهيدرو باور) الصغيرة، لكنها تحتاج إلى تحديث وتمويل لتفعيل إنتاجها بشكل أفضل. مثل معمل البارد في عكار الذي يجري العمل على إعادة تأهيله. وأوضح أن قدرة هذا المعمل لا تتجاوز ثلاثة أو أربعة ميغاوات، لكنه يعد نموذجاً يمكن تكراره في مواقع أخرى.

 

وحول أهمية الإصلاحات أضاف أنه يجب توفير بيئة تشريعية واستثمارية محفزة، موضحاً أن المستثمرين يحتاجون إلى ضمانات واضحة قبل ضخ أموالهم في مشاريع جديدة.

 

وفي ما يخص أبرز التحديات التي يواجهها البرنامج في تنفيذ مشاريع الطاقة، يقول كاباكيان "نحن لا ننفذ أي مشروع ما لم يكن مطابقاً للقانون، ونحرص على أن تكون جميع تدخلاتنا ضمن الأطر القانونية والمعايير التقنية المعتمدة. وفي الحالات التي تستدعي دراسة أثر بيئي، نقوم بها وفقاً للأنظمة. لا نتحدث هنا فقط عن مشاريع الطاقة، بل هذا ينطبق على كافة المشاريع. نحن دائماً نقوم بدراسة الجدوى القانونية قبل التنفيذ. وبخلاف ذلك، لا نواجه صعوبات كبيرة في التنفيذ، لأننا أساساً لا ننفذ أي مشروع ما لم يكن ممكناً من الناحية القانونية والمالية".

 

يُنشر هذا التقرير في إطار زمالة صحافية تنظمها مؤسسة مهارات حول "التغطية الإعلامية لمسار الإصلاحات". وقد تم نشره بالتزامن مع موقع Independent Arabia.