Loading...

نقاط الارتكاز الجندرية: حجر الأساس لتحقيق المساواة بين الجنسين في لبنان

 

شهد لبنان خلال السنوات الماضية تقدّماً متواضعاً في تعزيز المساواة بين الجنسين في السياقات السياسية والمؤسساتية. وقد تجلّى هذا التقدم في الانتخابات البلدية لعام 2025، حيث تضاعف عدد النساء الفائزات ببعض المقاعد مقارنة بالانتخابات السابقة. إلا أن نسبة ازدياد مشاركة النساء في أعمال المجتمع المدني والمؤسسات العامة يستدعي مزيداً من الحوكمة لضمان إدماجهن بشكل فعّال. وهنا يبرز دور نقاط الارتكاز الجندرية.

 

نقطة الارتكاز الجندرية هي شخص يتم تعيينه رسمياً داخل مؤسسة عامة أو منظمة من قبل الإدارة بهدف تعزيز المساواة بين الجنسين ودمج المنظور الجندري في آليات العمل. وفي استراتيجيتها الوطنية الجديدة (2022–2030)، عملت الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية بشكل مكثّف على تعزيز عمل نقاط الارتكاز الجندرية في لبنان. ومع ذلك، فإن التحديات البنيوية والمجتمعية أعاقت عملهن، مما أضعف اندماج النساء في المؤسسات العامة والمجتمع المدني.

 

 

كيف نشأ مفهوم نقاط الارتكاز الجندرية؟

تم تقديم مفهوم نقطة الارتكاز الجندرية لأول مرة عام 1995 خلال المؤتمر العالمي الرابع للمرأة في بكين، حيث دعا إلى تعيين نقاط ارتكاز جندرية داخل كل وزارة لضمان تعميم مراعاة المنظور الجندري في سياسات وبرامج تلك الوزارات.

 

في لبنان، تم تعيين نقاط الارتكاز الجندرية عام 1996 في مختلف الوزارات. وتضم كل وزارة نقطة ارتكاز جندرية واحدة على الأقل، ليبلغ العدد الإجمالي نحو 80 نقطة. ويتمثل دورهن في تزويد الهيئة الوطنية بكل المعلومات اللازمة المتعلقة بإداراتهن، والعمل كحلقة وصل بين الهيئة وإداراتهن.

 

 

دور الهيئة الوطنية لشؤون المرأة في دعم نقاط الارتكاز الجندرية

تشرح المديرة التنفيذية للهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية، ميشلين الياس مسعد في مقابلة لـ"مهارات نيوز"، دور الهيئة في دعم نقاط الارتكاز الجندري في لبنان قائلة: "يتم التعاون والتنسيق بين الهيئة ونقاط الارتكاز الجندرية وتقديم الدعم لهم بشكل أساسي من خلال برامج التدريب المستمر وبناء القدرات. بالإضافة إلى ذلك، تعمل الهيئة على إعداد خطة عمل تهدف إلى تعزيز دور ضابطات وضباط الارتكاز الجندري داخل إداراتهم".

 

كما توضح مسعد أن الهيئة تعمل أيضاً على إنشاء وحدات جندرية في الإدارات العامة، مما يسمح بنشر ثقافة المساواة بين الجنسين على نطاق أوسع، خاصة في المؤسسات الكبيرة التي تضم مديريات متعددة. وقد برزت هذه الجهود بشكل واضح في الجيش اللبناني، حيث تم إنشاء وحدة جندرية. كما طوّرت الهيئة استراتيجية جندرية وعدد من السياسات النموذجية لمكافحة التحرش الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي داخل المؤسسة العسكرية، وهو أمر بالغ الأهمية نظراً لحجم المؤسسة وطبيعتها والانطباعات الثقافية السائدة حول الأدوار الجندرية داخل الجيش. كما تعمل منظمات دولية، مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، على تعزيز دور نقاط الارتكاز الجندرية في لبنان.

 

في هذا الإطار توضح مريم بلحص، مسؤولة نقطة ارتكاز جندرية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لـ"مهارات نيوز"، دور المنظمة أنّ "جميع مشاريعنا بدءاً من برامج التدريب المهني والتقني وصولاً إلى مبادرات المساعدة الاجتماعية وتعزيز المؤسسات، مصممة بمنظور جندري. ومع مرور الوقت، يتحسن مستوى التفاعل والفهم من خلال الممارسة والتجارب. كما نقوم برصد نتائج المشاريع، لا سيما تلك المتعلقة بالتدريب وبناء القدرات، لتحديد التغيرات الملموسة في المعرفة والفهم والتطبيق على المستوى المؤسسي".

 

التحديات البنيوية والمجتمعية

تواجه نقاط الارتكاز الجندرية تحديات بنيوية ومجتمعية تحول دون تأدية دورهنّ بشكل كامل، في هذا السياق توضح مديرة المعهد العربي لحقوق الإنسان في لبنان جومانا مرعي في مقابلة لـ"مهارات نيوز" أن "عمل نقاط الارتكاز الجندرية كان غير فعّال لعدة أسباب منها أنّ  النساء المعيّنات كمسؤولات عن نقاط الارتكاز الجندرية لم تكنّ موجودات في مواقع صنع القرار، مما أضعف تأثيرهن. ثانياً، كان هناك معدل تغيير وظيفي مرتفع؛ حيث تتلقى الموظفات التدريب ثم يتم استبدالهن بعد فترة قصيرة، مما يستدعي تدريباً جديداً. هذا الانقطاع في الاستمرارية منع تراكم المعرفة المؤسساتية وأعاق إنتاج سياسات وتخطيط استراتيجي مستدام لتحقيق المساواة بين الجنسين".

 

وتضيف: "يعكس هذا الوضع مشكلة أعمق تتمثل في غياب الإرادة السياسية داخل الدولة اللبنانية لدمج المنظور الجندري فعلياً وتحقيق المساواة بين الجنسين من خلال السياسات العامة. إن تعيين المسؤولين عن نقاط الارتكاز الجندرية بشكل متكرر من الأشخاص ذوي المسؤوليات المحدودة أو ممن يُعتبرون "متاحين" بدلاً من أصحاب النفوذ والكفاءة يدل بوضوح على هذا النقص في الالتزام".

 

كما تشير الهيئة الوطنية لشؤون المرأة إلى تحديات مماثلة، إذ تشير مسعد إلى أنّ "دور نقطة الارتكاز الجندري ليس وظيفة مستقلة، بل مسؤولية إضافية تُسند إلى جانب الوظيفة الأساسية. وقد يحمل هذا الدور مسؤولية أكبر، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية ونقص الموظفين/ات والشواغر في الإدارات العامة".

 

وتضيف أن: "بعض التحديات ترتبط بالموروثات الثقافية، إذ تواجه نقاط الارتكاز أحياناً مقاومة داخل مؤسساتهم لقضايا المساواة بين الجنسين. وتعمل الهيئة على معالجة هذه التحديات من خلال التدريب المستمر، ورفع الوعي، والدعم المؤسساتي، والتواصل مع القيادات العليا في الوزارات".

 

كما وُجدت مقاومة لاعتماد المصطلحات الجندرية، إذ رفضت بعض المؤسسات استخدام مصطلح “نقطة ارتكاز جندرية” خشية ربطه بقضايا تتجاوز المساواة بين الجنسين، مثل قضايا مجتمع الميم. وعلى الرغم من التحديات، تحققت بعض الإنجازات، منها إنشاء وحدة جندرية في وزارة التربية والتعليم والجيش اللبناني، حيث شهدت المؤسستين تحسناً في الأداء بعد إنشاء هذه الوحدات.

 

تعزيز دور نقاط الارتكاز الجندرية

توضح مرعي أن "توجه لبنان نحو اعتماد وحدات جندرية يعكس تطوراً عالمياً أوسع في التفكير، إذ أظهرت مراجعات التقدم المحرز في تنفيذ منصة بكين أن نموذج نقاط الارتكاز الجندرية على مستوى العالم كان غير فعّال إلى حد كبير.إذ لم يعد كافياً وجود نقاط ارتكاز جندرية فقط؛ بل يجب أن تمتلك كل وزارة وحدة جندرية مخصصة مسؤولة عن التدقيق والمتابعة والمساءلة".

 

وتؤكد أنّ " الهيئة الوطنية يجب أن تلعب دوراً أقوى على المستوى الوزاري من خلال منحها سلطة الإشراف والتدقيق. فافتقارها لهذه السلطة يعني أنها لا تستطيع إلزام الوزارات بإنشاء وحدات جندرية أو تنفيذ إجراءات تعميم المنظور الجندري".

 

كما ينبغي على المجتمع المدني أن يلعب دوراً أساسياً في دعم نقاط الارتكاز الجندرية من خلال التدريب وبناء القدرات، وزيادة الضغط على الدولة بشأن تعميم المنظور الجندري، ومراقبة التقدم في تنفيذ الاستراتيجيات والسياسات، وعكس النتائج في تقارير حقوق الإنسان.

 

 

نقاط الارتكاز الجندرية ودورها في تحقيق قرار مجلس الأمن 1325

تؤكد بلحص أن "نقاط الارتكاز الجندرية ضرورية لترجمة الالتزامات الوطنية إلى إجراءات مؤسساتية، إذ تمثل نقاط دخول داخل المؤسسات لتعزيز المساواة بين الجنسين ومبادئ قرار مجلس الأمن 1325. ويعد هذا القرار إطاراً عالمياً حول المرأة والسلام والأمن، ويوجه في السياق اللبناني الجهود الوطنية لحماية حقوق النساء وضمان مشاركتهن في عمليات السلام والأمن، حيث تمثل نقاط الارتكاز الجندرية الآلية المؤسساتية لتطبيق هذه المبادئ".

 

إلا أن هذه النقاط تحتاج إلى دعم وتدريب مستمرين. ومن خلال مبادرات بناء القدرات، يمكن لنقاط الارتكاز الجندرية لعب دور أكثر فاعلية داخل مؤسساتها، مما يعزز تنفيذ الخطة الوطنية.

 

وتضيف مسعد أن: "الخطة الوطنية الثانية لتنفيذ القرار 1325، والتي تم الانتهاء من تجهيزها ومن المتوقع إطلاقها قريباً، تتضمن ركناً أساسياً يركز على تعزيز القدرات والخبرات المؤسساتية، حيث تلعب نقاط الارتكاز الجندري دوراً محورياً في هذا السياق من خلال شراكة الهيئة مع مختلف المؤسسات".

TAG : ,جندر ,مساواة ,مساواة جندرية ,جنسين ,لبنان