Loading...
السوريّون يدعمون الزراعة في بعلبك - الهرمل

في الشق الشمالي من البقاع اللبناني، بلدات كل سكانها يسألون الدولة دائماً عن دورها في انجازات تنموية تنتشل المنطقة من بؤسها وحرمانها، مقارنة إياها بمناطق تنعم بالرفاهية والإنماء. على مدى عقود لم تسمع الصرخة، لكن بعد حرب تموز، برزت ورش إنماء وإعمار في منطقة بعلبك - الهرمل، لتشهد تغيّرات لافتة على المستويات كافة، واستبدلت جملة "منطقة بعلبك - الهرمل المحرومة" بـ "منطقة يُعمل على إنمائها بجد".

إلا أن المناطق الحدودية مع سورية تشهد أخيراً تراجعاً في مجمل القطاعات انعكس على لبنان والمنطقة عموماً على الهرمل وجوارها خصوصاً، نتيجة الأوضاع الأمنية في سورية، ما دعا سكانها إلى إطلاق صرخات جديدة علّها "تستفز" الدولة للتدخل، وما من مجيب....

لبنان ليس بلداً مزدهراً زراعياً، إلا أن ما يقارب الـ 40 في المئة من سكانه يعتاشون من قطاع الزراعة. فالناس تقريباً يمتهنون الزراعة، مبتعدين عن الصناعة. رغم سوء الظروف المناخية في منطقة بعلبك - الهرمل، وخصوصاً في البقاع الشمالي الذي يعاني نسبة أمطار متدنية وتصحّر يجتاح سفوح هذه السلسلة في السلسلة الشرقية، يعتمد سكانه على الزراعة كقطاع منتج في ظل عوائق شتّى، مصرّين على تنشيطه وتطويره بأي ثمن.

السياسة الموضوعة في لبنان لا تميل لجعله بلداً نشطاً زراعياً، فهناك أولويات لقطاعات أخرى معروفة كالتجارة والخدمات والسياحة تهتم الدولة بتنشيطها دائماً كقطاعات منتجة يرتكز الإقتصاد اللبناني عليها، معتبرة الزراعة قطاعاً ثانوياً، ما إنعكس سلباً على هذا القطاع الإنتاجي الإجتماعي.

مشاكل في انتظار حلول

تعمل وزارة الزراعة الحالية بجد لإنقاذ قطاع الزراعة في منطقة بعلبك - الهرمل في ظل عوائق ترافقه منذ أعوام. ويعدد مدير مركز "جهاد البناء" للإرشاد الزراعي في منطقة الهرمل حسين قانصوه العوائق التي يواجهها هذا القطاع، مشدداً على "انعدام الإهتمام المطلوب بالزراعة". ويوضح أن "العوائق كثيرة تتلخص بغياب السياسات الواضحة والداعمة للقطاع الزراعي، وانخفاض الموازنات المعتمدة من وزارات الزراعة"، لافتاً إلى "غياب التخطيط وضعف وزارة الزراعة من حيث الكادر والإمكانات والبحث العلمي". ولا ينسى "عائق تحكم المافيات والوسطاء والسماسرة لجهة تأمين الأسمدة والأدوية للمزارعين، وذلك لعدم ضبط الدولة أسعار هذه المستلزمات، إضافة إلى غياب العمل التعاوني الفاعل، ومشكلة تسويق المنتجات التي تقابلها تكلفة إنتاج مرتفعة، عدا عن مشكلة بُعد الأسواق عن الأماكن الزراعية في البقاع". أما العائق الأهم الذي إذا ما تحقق حلّه بات القطاع الزراعي بألف خير، فهو "غياب التسليف الزراعي (القروض الزراعية) الناتج من مشكلة في فرز الأراضي، وحاجة المزارع الى إمتلاك سند يعادل 2400 سهم للحصول على قرض".

ويشدد قانصوه على مشكلة أساسية يعانيها هذا القطاع، وهي "عدم قدرة المزارعين على إستخدام الآلات والمكننة لصغر الحيازات، وهذا ما يرفع من تكلفة الإنتاج". وختم قائلاً إن "مشاكل الزراعة في المنطقة تتمثل بمشكلتي إتفاقات التصدير وغياب الرقابة وحماية المستهلك".

أما مزارعو المنطقة، فلا تختلف بالنسبة إليهم مشاكل هذا القطاع عمّا ذكره قانصوه، فيقول المزارع غازي عبدالله إن "المشكلة الأساسية تكمن في تسويق الإنتاج وغلاء الأسمدة". أما المزارع قاسم شومان فتحدث عن "موجة البرد" التي ضربت الموسم في الشتاء، شاكياً "عدم إهتمام الدولة، وخصوصاً وزارة الزراعة، بالمزارعين".

إعادة التأهيل

تمتد في منطقة بعلبك - الهرمل الأراضي الزراعية، وهي في حاجة الى تشجيع أهلها الذين ملّوا مشاكل هذا القطاع، على إستثمارها. لذلك، يرى قانصوه أن إعادة تأهيل المنطة زراعياً "تتطلب وضع سياسات علمية داعمة للقطاع الزراعي تتناسب وحاجات المنطقة، إضافة إلى تفعيل دور الإرشاد والبحث العلمي، أي ارشاد المزارعين إلى طرق علمية صحيحة من أجل تحسين الإنتاج كماً ونوعاً وخفض تكلفة الإنتاج"، مضيفاً أن "المزارعين في حاجة الى دعم مصادر الطاقة من أجل تأمين عملية الري، وإقامة مشاريع مائية". ويلفت قانصوه إلى "أهمية إنشاء مشروع زراعة عضوية والتخلي عن إستخدام المواد الكيمائية، وهذا ما يتناسب مع الحيازات الصغيرة"، مضيفاً أن "التشجيع على التصنيع الزراعي يساهم في تسويق الإنتاج في شكل أفضل".

من جهتهم، يطالب المزارعون وزارة الزراعة بإستكمال المشاريع التنموية الزراعية التي بدأت بها، مؤكدين أهمية هذا القطاع ومردوده المؤثر على الإقتصاد اللبناني. فشومان يرى أن "إنشاء أسواق قريبة من البقاع يحول دون كساد المنتوجات".

خطر الزراعات السورية

تعتبر عملية التهريب بين سوريا ولبنان مشكلة تنعكس سلباً على القطاع الزراعي اللبناني. وبحسب قانصوه، فإن "هذه العملية نعانيها بسبب الحوادث الأمنية في سوريا". ويرد سبب ذلك إلى أن "تكلفة الإنتاج في سوريا منخفضة، إضافة إلى التهريب عبر الحدود السورية - اللبنانية في مقابل ارتفاع تكلفة إنتاجنا"، مشيراً إلى أن "الدولة السورية تلعب دوراً لافتاً في شراء محاصيل المزارعين السوريين أحياناً، فهم يتمتعون بالتخطيط العلمي السليم، وانعدام مشكلة الكساد". ويؤكد أن "هناك مشكلة أساسية لا يمكن التغاضي عنها، ألا وهي افتقادنا للمزارع الحقيقي الذي ينجز كل شيء بيديه، فنحن نعتمد على الأيدي العاملة السورية".

قانصوه لا ينفي الإنعكاسات الإيجابية على الزراعة اللبنانية بعد الحوادث في سوريا، لافتاً إلى وجود "منتجات تطلب من سوريا"، مبشراً بأن "قصة التهريب توقفت، وهذا يعني توقف المنافسة أي لا انتاج سوري في لبنان". ويتابع "تراجعت كثيراً، وهي في حاجة إلى وقت للنهوض من جديد"، مشيراً إلى "حاجة الأعداد الكبيرة من اللاجئين السوريين إلى المواد الغذائية والزراعية، ما يرفع من نسبة الإستهلاك"، فمصائب قوم عند قوم فوائد.

بدوره، يلفت مفتي الهرمل الشيخ علي طه إلى أن "الأوضاع السورية أثرت على العلاقات التجارية والتبادلية"، قائلاً إن "طريق سوريا هو طريق التصدير (طريق المصنع)، وبعد الحوادث هناك شاحنات نقل محاصيل تتوقف لأسابيع وأيام على الحدود، ما يؤدي إلى تلف المنتجات الموجودة فيها".

وللمزارعين البقاعيين دورهم في الحديث عن الآثار السلبية التي يعانونها جرّاء المنتجات السورية التي تحتل الأسواق اللبنانية في معظم الأحيان. فالمزارع القديم إميل شمعون يرى أنه "بعد الأوضاع السورية الراهنة، استطاعت المحاصيل الزراعية اللبنانية اثبات نفسها في الأسواق اللبنانية. قبل، كانت المنتوجات السورية تحتكر الأسواق، كنا نندب حظنا في كل موسم".

نحو الإزدهار

يلفت عدد من المزارعين إلى تحسن أداء وزارة الزراعة في عهد الوزير حسين الحاج حسن. ويقول قانصوه إن "العمل التعاوني صار أكثر فعالية من قبل، والوعي لدى المزارعين ازداد"، لافتاً إلى "توجه الناس حالياً إلى استهلاك المنتجات غير المصنعة، الأمر الذي يشجع على الزراعة، ويزيد من الطلب على المنتجات البلدية". ويضيف أن "للمعارض التي تقام دوراً فاعلاً في التشجيع على الزراعة"، منوهاً بـ "الدور الذي تلعبه المؤسسات المعنية بمساعدة وإرشاد المزارعين، كمؤسسة "جهاد البناء" التي تصنف قطاعاً خاصاً، وتعمل على إقامة المعارض ومساعدة المزارعين في عملية التسويق، والعمل التعاوني...". كذلك، يلفت إلى أهمية "الحقول النموذجية التي تنشئها "جهاد البناء" من أجل تعليم المزارعين وإرشادهم". ويشير قانصوه إلى أن " الري اليوم تحسن عما كان عليه في السابق، ولكن هذا لا ينفي الحاجة إلى ضرورة العمل على إرشاد المزارعين وتوجيههم لاستغلال أمثل للمياه"، موضحاً أن "اعتماد المزارعين حالياً يرتكز على الري بالتنقيط لإيجابياته ومميزاته التي تتلخص بوفرة المياه، وإقتصارها على المكان المحدد، إضافة إلى تخفيف تكلفة الإنتاج لجهة إمكان التخلي عن الأيدي العاملة لعملية التعشيب، كما يمكننا استخدام الأسمدة من خلال شبكات الري".

زراعات متخصصة

بالتوازي مع المناخ والتقاسيم الجغرافية، تختلف أنواع الزراعات في منطقة بعلبك الهرمل بين بلدة وأخرى، لتتخصص كل منها بزراعات محدّدة. ففيما تنتشر زراعة البطاطا والحبوب في البقاع الأوسط التي ترتفع فيها نسبة الأمطار، تنتشر الزراعات غير المزدهرة بين بعلبك واللبوة. ويقول قانصوه: "كلما اتجهنا نحو البقاع الشمالي تخف نسبة الأمطار، ما يرتب أنواعاً معينة من الزراعة، ففي هذه المنطقة زراعات لا يمكن استغلالها في البقاع الأوسط والعكس صحيح". فبلدة في وادي البقاعية مثلاً تزرع التبغ، فيما تحتكر بلدتا اللبوة والنبي عثمان زراعة محاصيل "استراتيجية" بحسب قانصوه، كالتفاح والمشمش. أما اللوز والزيتون اللذان يتحملان الظروف المناخية القاسية مثل "قلة المياه"، فمن نصيب جرود الهرمل والبقاع الشمالي...

وهنا يقول قانصوه: "بمخطط توجيهي يتم تحديد المناطق الزراعية والمناطق السكنية، لذا تبتعد الإثنتان عن بعضهما". ويختم قائلاً: "الدولة هي المعنية أساساً بوضع السياسات وبتطوير سياسات زراعية تحمي الإنتاج الزراعي، أما دورنا فيكمن في تحسين انتاجنا، والعمل التعاوني كأول خطوة للتقليل من مشاكلنا، لكن اللبناني اناني يقف بوجه العمل التعاوني".