غير صحيح
على بعد أشهر قليلة من الانتخابات النيابية لا يزال الجدل مستمرًا حول آلية انتخاب اللبنانيين غير المقيمين (المغتربين)، وما إذا كانوا سيُصوّتون وفق قانون الانتخابات النافذ (القانون 44/2017) إلى 6 مقاعد مخصصة للاغتراب موزعة على القارات (هذا الأمر يحتاج الى مراسيم تطبيقية لم تُقرّ بعد) أو سيتم اللجوء إلى تصويت المغتربين للمرشحين في دوائرهم الأصلية داخل لبنان، أي انتخاب كامل أعضاء مجلس النواب كما حصل في انتخابات العام 2022.
انطلاقًا من هذا الواقع الضبابي ومع اقتراب الانتخابات حيث أُعلن عن توقيع مرسوم "دعوة الهيئات الناخبة"، أرسل وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار، منذ أيام سؤالاً إلى هيئة التشريع والاستشارات لطلب رأيها القانوني بخصوص اقتراع المغتربين في الانتخابات النيابية المقبلة، وتحديدًا ما إذا كان يحق لهم التصويت من الخارج لكامل أعضاء البرلمان (128 نائبًا) أم فقط للمقاعد الست المخصصة لهم في القانون الحالي.
رد هيئة التشريع والاستشارات جاء سريعًا معتبرا أنّه يحقّ للمغتربين المسجلين التصويت من الخارج لـ 128 نائبًا. الأمر الذي بدوره أدى لعاصفة سياسية بين مؤيد ومعارض.
فهل يصحّ اقتراع المغتربين لمصلحة أعضاء المجلس النيابي ال128 كما قالت هيئة التشريع والاستشارات؟
حول قرار هيئة التشريع والاستشارات يعتبر المحامي الدكتور طوني مخايل أن القول بإمكانية اقتراع غير المقيمين وفق آليات مغايرة لما نص عليه قانون الانتخاب النافذ، لا يستقيم قانونًا. إذ أن الفصل 11 من القانون يُشكّل منظومة متكاملة لا يجوز تجزئة أحكامها أو انتقاء بعضها دون البعض الآخر. كما أن المادة 118 نصّت صراحةً على آلية اقتراع غير المقيمين بشكل حصري ومحدد، وذلك على أساس النظام النسبي وفي دائرة انتخابية واحدة (أيّ الدائرة 16)، وقبل خمسة عشر يومًا كحدّ أقصى من الموعد المحدد للانتخابات في لبنان.
وعليه، فإن أي تفسير يتجاوز هذا الإطار الصريح يُشكّل مخالفة واضحة لنص القانون وإرادة المشترع، ويعرّض العملية الانتخابية لشبهة عدم المشروعية. فاحترام القانون لا يكون بتفسيره وفق الضرورة السياسية، بل بتطبيقه كما هو.
ويضيف مخايل إن الحلول الكفيلة بتأمين "مشروعية" العملية الانتخابية المقبلة يتمثّل إما في تعديل قانوني يحسم آلية اقتراع غير المقيمين ويستدعي هذا التعديل تأجيلا تقنيا إلزاميًا للإنتخابات أو في امتناع الحكومة وادارة العملية الانتخابية عن تطبيق الفصل الحادي عشر بأكمله، وإبلاغ غير المقيمين بوجوب الاقتراع على الأراضي اللبنانية، إذا أرادوا ممارسة حقهم الدستوري في الانتخاب. دون أن نغفل إمكانية الطعن بقرارات الحكومة وإدارة العملية الانتخابية التي فرّطت بحق الناخب غير المقيم في ممارسة حقه بسهولة في محل إقامته.
كما يملك المجلس الدستوري وفق مخايل، بصفته قاضي الانتخابات، صلاحية اعتبار العملية الانتخابية مشوبة بعيب جوهري، وإبطال نتائجها كليًا أو جزئيًا، متى ثبت أن مخالفات قانونية جسيمة قد أثّرت على سلامة التمثيل النيابي، خاصةً إذا كان عدد الناخبين المحرومين أو المتأثرين كفيلاً بتغيير نتيجة الانتخاب.
بدوره الرئيس السابق للمجلس الدستوري القاضي عصام سليمان اعتبر في حديث لـ "مهارات نيوز" أن هيئة التشريع أعطت رأيها وانطلقت من اجتهاد يقول بأنه في حال تعذر تطبيق القانون كليًا فلنطبق الجزء الذي يمكن تطبيقه، مضيفًا: "برأي القانون لا يتجزأ كونه القانون الذي ستنبثق منه الهيئة التشريعية بكل دوائرها والمجلس النيابي وحدة متكاملة. والحل المنطقي والطبيعي وفق سليمان أن يجتمع مجلس النواب ويعلّق العمل بالمادة 112 من القانون (تتحدث عن توزيع مقاعد الاغتراب) أو يلغيها كليًا كون وزارة الداخلية تعتبر من الصعب أو المستحيل تطبيقها.
وحول إمكانية الطعن بالانتخابات في حال تم السير برأي هيئة التشريع وتصويت المغتربين لل 128 نائبا دون وجود تشريع ينظم هذا الأمر كما في الدورة الماضية، اعتبر سليمان أن الانتخابات بداية معرضة للطعن قبل اجرائها أمام مجلس شورى الدولة لأنه في حال تقدم مرشح للدائرة 16 سيُرفض طلبه من وزارة الداخلية ما يُمكّنه من تقديم مراجعة امام مجلس الشورى الذي باستطاعته أخذ خيار بابطال المرسوم الذي وضعه وزير الداخلية ودعا عبره الهيئات الانتخابية وحدد موعد تقديم الترشيحات.
اما اذا جرت الانتخابات يمكن أن يكون هناك طعون أمام المجلس الدستوري بصحة الانتخابات ضمن الدوائر تحديدًا وليس بالقانون كاملًا، فالمجلس لا يمكنه النظر بدستورية القانون ككل، والطعن بالقانون يُقدّمه 10 نواب أو أحد الرؤساء الثلاثة ضمن مهلة 15 يوم من نشره في الجريدة الرسمية فقط.
إذا غير صحيح أنه يمكن اقتراع المغتربين لمصلحة أعضاء المجلس النيابي الـ 128 كما قالت هيئة التشريع والاستشارات، فقانون الانتخابات وضع منظومة متكاملة لا يجوز تجزئة أحكامها أو انتقاء بعضها دون البعض الآخر، وطالما أنه لم يصدر حتى الآن أي تشريع من مجلس النواب يُبدّل بوضوح آلية اقتراع غير المقيمين يجب إنفاذ القانون واقتراع غير المقيمين على أساس النظام النسبي وفي دائرة انتخابية واحدة (الدائرة 16).