Loading...
وضع مأسوي يعيشه الموظفون

لبنان في قلب أزمة اقتصادية لم يشهد مثيلاً لها من قبل. فالليرة اللبنانية بتدهورٍ كامل أمام الدولار الأميركي. هذه الازمة أثرت سلباً على كل موظف ومتقاعد في القطاعين العام والخاص، طالبوا بزيادة على رواتبهم، لأنهم يتقاضون أجورهم بالليرة اللبنانية التي لم يعد لها قيمة في وقتنا الحالي. وضع مأسوي يعيشه الموظفون بعد إقرار سلسلة الرتب والرواتب، فما هي السلسلة؟ ولماذا تمت المطالبة بها؟ ومن المستفيد منها؟ ولماذا أثرت على الخزينة العامة؟

"قبل إقرار هذه السلسلة، لم تكن الرواتب عادلة خصيصاً بحق موظف مثلي فنى عمره كله في القطاع العام. قبل السلسلة، وبعد ثلاثين عاماً من الخدمة والعمل شاق كان راتبي يوازي ١،٢٠٠،٠٠٠ ليرة فقط لا غير. ولكن بعد السلسلة، وبعدما درست ونجحت بكفاءتي وترقيت الى الفئة الثالثة، شعرت بأن تعب عمري قد قُدِرَ، وأصبح راتبي الآن يوازي ضعفي ما كنت أتقاضاه سابقاً. ولكن بعد الازمة الاقتصادية، ومع الزيادة والملحقات بات هذا الراتب لا قيمة له"، يقول أحد الموظفين في القطاع العام.

على مدى ثلاث سنوات، تظاهر الموظفون واحتجّوا مطالبين بهذه السلسلة، لكن لم يتذوّقوا طعم الهناء بها. إذ بعد فترة ضئيلة من إقرارها، دخل لبنان في نفق الأزمة الاقتصادية.

زمن السلسة

السلسلة هذه، هي نظام للموظفين والعمال في ملاك الدولة. ونظامنا في لبنان يعتمد على تقييم الموظفين حسب الراتب، ويقسم الى فئات، وضمن هذه الفئات درجات ويحدد الراتب وفقاً للراتب والدرجة. ويجري الموظف امتحاناً وحسب كفاءته يترقى الى فئات، وصولاً الى الفئة الأولى والثانية الذين يعيّنون من قبل مجلس الوزراء، ويكسبون الدرجات بحسب سنين الخدمة.

لقد طالب الموظفون بهذه السلسلة لأن الدولة اللبنانية أُقرت السلسلة المرة الأخيرة عام 1998، ومنذ ذلك التاريخ لم يحظ أي موظف على زيادة أجر حتى العام 2008، اذ حصل موظفو القطاع العام على سلفة مالية قيمتها كانت 200 ألف ليرة، وقد استفاد منها موظفو القطاع العام حتماً ولكنها لم تدخل في أساس الراتب. لكن في العام 2011 أبطل مجلس الشورى هذه السلفة لعدم قانونيتها.

استفاد من هذه السلسلة الموظفون، المتقاعدون، الاجراء في الإدارات العامة والجامعة اللبنانية والبلديات والمؤسسات العامة غير الخاضعة لقانون العمل وأفراد الهيئة التعليمية في وزارة التربية والتعليم العالي والأسلاك العسكرية والمعلّمون في المدارس الخاصة، والمتقاعدون. ويشكّل هؤلاء يشكلون ثلث القوى العاملة في لبنان.

في العام 2017، أقرّت هذه السلسلة، وكان قسم معها، وقسم آخر ضدها. وحينها، كانت الانتخابات النيابية على الأبواب، ودار التوظيف الحزبي العشوائي في كافة الإدارات، شاركت فيه القوى السياسية كافةً من دون أي دراسة للوضع مما فاقم الوضع وازداد ذرف المال من خزينة الدولة، مما ساهم في تسريع هذا الانهيار المالي والنقدي الذي نعيشه اليوم. علماً انه وفقاً للمادة 21 من القانون 46 لهذه السلسلة "يمنع جميع حالات التوظيف والتقاعد، بما فيها القطاع التعليمي والعسكري بمختلف مستوياته واختصاصاته، الا بقرار من مجلس الوزراء بناءً على تحقيق تجريه إدارة الأبحاث والتوجيه".

نظام التقاعد

نظام التقاعد في لبنان لا يشبه أي نظام في العالم. ففي القطاع العام المنظم، يتقاعد العاملون عن سن الـ64  عاماً ويتقاضون تعويض نهاية خدمة، يوازي شهراً واحداً عن كل سنة خدمة، يتراوح تقريباً ما بين 15 ألف و20 ألف دولار، مما كان يقارب ما بين الـ22  مليون والـ30  مليون ليرة وفق سعر الصرف 1515 ليرة لبنانية قبل التضخم المالي.

في القطاع العام، الامر مختلف. معدل التبديل يصل الى الـ85%، اذ في هذا الوضع يتوقف المتقاعدون عن المساهمة بـ6% من رواتبهم، وللتذكير بأن معاش التقاعد معفى من الضرائب، مما يرفع معدل التبديل الفعلي الى 100%، أي ان الدخل لا يتغير بشكلٍ ملحوظ. كما ان هناك خصوصية أخرى موجودة في لبنان فقط وهي ان رواتب المتقاعدين بنسبة الـ80% في كل زيادة رواتب تعطى لموظفي الخدمة الفعلية. انما في معايير دول أخرى يعدل الراتب بحسب ارتفاع الغلاء المعيشي.  ناهيك عن ان ورثة المتقاعدين، وتحديداً الارامل والفتيات اللواتي لم يتزوجن يستفيدن من راتب المتقاعد بنسبة 100% بعد وفاته.

وثمة نقطة أخيرة وهي ان 20% من اليد العاملة في لبنان تستفيد من رواتب التقاعد، وهي تشكل ما يقارب الـ45% من الناتج المحلي الإجمالي. واذا أردنا ان نسير على خطى الدول المتقدمة، علينا ان نوسع نظام التقاعد ليشمل ما يقارب الـ90% من القوى العاملة، مما سيؤدي حتماً الى ارتفاع نسبة التقاعد الى ما يقارب الـ200% من الناتج المحلي.

ما مصير هؤلاء الموظفين؟ 

داني موظفة لأكثر من ثلاثين عاماً في مديرية الخزينة في وزارة المالية، كان راتبها يوازي ألفي دولار أميركي، مما جعلها تعيش في نعيم. لكن بعدما لامس الدولار عتبة الـ15000 أصبح راتبها لا يوازي 150 دولار فقط. كما ان داني وجميع الموظفين يتقاضون رواتبهم بالليرة اللبنانية، أو "أوراق المونوبولي" كما يسمّونها.

هذا الأمر، جعلهم يبدّلون طريقة عيشهم ويعتمدون سياسة التقشف، من شراء الملابس، الى تمضية يوم الاحد خارجاً مع  العائلة، او الغداء في المطاعم. باتوا اليوم يحبون كل شيء كي يكفيهم الراتب حتى نهاية الشهر.

ربما تعدّ حال داني أحسن من سواها لأنها تسكن في منزل تملكه العائلة، لكن الموظف الذي لا يزال يسكن في الايجار، والذي عليه تقسيط قرض كأقساط الإسكان فهو يتحمّل أعباء أكبر بكثير، من دون أن ننسى أقساط المدارس أو الجامعات، فواتير الكهرباء التي تدفع مرتين، فاتورة المياه، فاتورة الهاتف، الى ثمن لوازم المنزل وخصوصاً المأكولات.

اما حال المتقاعدين فليست أفضل، فسليم، وهو خبير محاسبي مجاز تقاعد من وقت ضئيل، راتبه الشهري من النقابة يوازي الـ750 ألف ليرة فقط أي 50 دولار فقط.  يقول لـ"مهارات نيوز" ان هذا المبلغ ليس بشيء الآن. "جنى عمري كله سرق في المصارف، كما ان مدخولي ان كان من حسابي من المصرف او من النقابة، لا يكفينا حتى نهاية الشهر. وحتى لو سلموني مبلغ التقاعد كاملاً، ما يوازي 150 مليون ليرة، فلا قيمة لهم بسبب تدهور الوضع الاقتصادي وارتفاع سعر الدولار وغلاء الأسعار". هذه حال الجميع، لأن العملة الوطنية الى انحدار شامل وتام، وليس هناك أي مؤشر بأن الوضع سيتحسن في المدى القريب.

ما الحل؟

لبنان بحاجة ماسة الى المساعدات خصوصاً من الجهات الدولية المانحة، باعتراف الجميع. ولكي تحصل الدولة على المساعدات، على المسؤولين تشكيل حكومة تلتزم إجراء إصلاحات كما يريدها المجتمع الدولي. هذا هو المطلب الأساسي منذ مؤتمر "باريس 1" وصولاً الى مؤتمر "سيدر" الذي لم نحصل عليه لأن الشرط الأول كان صرف الموظفين الذين دخلوا بطريقة زبائنية عشوائية الى كافة الإدارات والمؤسسات. إذاً هذا الأمر ما زال متعذراً.

أما داخلياً، فهناك قانون نائم في أدراج مجلس النواب، يشمل خطة تقاعد شاملة مطروحة لتأمين استدامتها وتحديد معالمها من حيث معدلات التبديل ومساهمات العمّال وأرباب العمل. لو أقرّ هذا القانون ربما كان في إمكانه أن ينقذ الكثير، أو حتى كان يمكن ان يبطئ التدهور الاقتصادي والمالي الذي وصلنا اليه اليوم جراء الأعباء المالية على الخزينة. 

في انتظار الحلول لأزمات تتراكم، هل سيأتي يوم تعمل فيه الدولة لمصلحة شعبها، خصوصاً هؤلاء الذين خدموها مدى حياتهم؟ أو لجيلها الشاب كي تحدّ من هجرة الادمغة الذين يطمحون لتأمين حاضرهم ومستقبلهم؟

TAG : ,سلسلة الرتب والرواتب ,لانهيار المالي ,موظفون ,الليرة اللبنانية