Loading...
مديريّة الحبوب والشمندر السكري الغائبة في الأزمات...إلى متى؟

 

"تموّنتوا طحين أو بعد؟ شو ناطرين"

"أنا اشتريت مبارح 50 كيلو، بدّك وصّيلك؟"

بهذه العبارات، يحثّ أقاربي أمّي على التموّن "لأنّو ما حدا بيعرف الأيّام شو مخبيّة بهالبلد" فترضخ أمّي لمحاولات الاقناع وحالة الهلع وتشتري 25 كيلو طحين مرميين حاليًّا في زاوية غرفة المونة إلى أجلٍ غير مسمّى"لعلّ الخبز والقمح انقطعا يومًا"، أمّا القمح فيؤنس وحدة الطحين عند الزاوية وينخره السوس.لم أؤيّد قرار أمّي ولكن لم ألمْها، ففعلًا من يعلم ما تحمله الأيّام من ظلاميّة أكثر على هذا البلد!

اعتدت أن أسمع هذه الأحاديث بشكلٍ يوميّ منذ بداية الأزمة الاقتصاديّة في لبنان ولكنّ وتيرتها ازدادت في الفترة الأخيرة تحديدًا بعدما تدمّرت اهراءات القمح في مرفأ بيروت جرّاء انفجار 4 آب 2020.

فيعيش اللبنانيّون اليوم بهاجس انقطاع الخبز من السوق أو غلاء أسعاره. فلقد كانت الاهراءات الخالدة في المرفأ صمّام أمان لشريحة كبيرة من اللبنانيّين ولكنّها باتت حطامًا ويبحث اللبناني اليوم عن مصدر آخر للأمان الّا أنّ مديريّة الحبوب والشمندر السكّري غائبة عن السمع لا تلتفت لمخاوف اللبنانيّين. فخلافاً للاهراءات، الشاهد العمراني الذي تمّ تشييده منذ أكثر من 50 سنة في مرفأ بيروت، لم تستطع المديريّة أن تثبت حضورها عمليًّا في السنوات الاخيرة، حتى أنها لم تظهر فاعلية في تلبية احتياجات المواطنين منذ بدء الازمات الاقتصادية والمعيشية في البلاد.

خلال الاشهر الماضية وفي ظلّ الازمة الاقتصادية والمالية والمعيشية التي تتفاقم في لبنان،لم تكن المديريّةجزءاً من قرار وزارة الاقتصاد لإعداد السلة الغذائية المدعومة من الحكومة في حزيران/يونيو 2020 والتي تتضمن بشكل أساسي الحبوب والسكر، من دون العودة الى المديرية المكلفة، بحسب القانون، وضع وتنفيذ كل ما يتعلق بتأمين حاجة البلاد من الحبوب الخبزية، والسكر، وبتحقيق استقرار تمويني يكون منطلقاً لتحقيق الأمن الغذائي.

فالمديرية تعمل، بحسب المادّة 3 من المرسوم الاشتراعي 143 المعدّلة بقانون 1967، على تركيز أوضاع التموين من مادة الخبز على أسس تضمن سلامته وجودته، وتنمية إنتاج الحبوب والشمندر السكري وتأمين تصريفها بأسعار تشجيعية دون الإضرار بمصلحة المستهلك.

ويطرح غياب هذا الدور في لحظة مفصلية من واقع لبنان الاقتصادي، أسئلة عن جدوى المديرية المنوطة "بمهام اقتصادية بحتة"، وهو سؤال سبق أن طرحه وزير الاقتصاد الاسبق آلان حكيم الذي اقترح اغلاقها لأنّ المهام التي تقوم بها لا تستوجب مديريّة كاملة معتبراً "أننا لسنا بحاجة لكل هؤلاء الموظفين ويمكن دمج هذه المديرية التي تستفيد منها 10 عائلات كحدّ أقصى".

 

مديريّة شبه غائبة

تعدّ المديرية العامة للحبوب والشمندر السكري واحدة من مديريتين، تتألف منهما وزارة الاقتصاد والتجارة، ويبدو دور مديريّة الحبوب والشمندر السكري محدوداً في هذه الظروف الاستثنائيّة التي تمرّ بها البلاد، ويعود ذلك الى الصلاحيات المحدودة التي فوّضها بها القانون.

ويتلخص دور المديرية اقتصاديّاً بـ"وضع وتنفيذ كلما يتعلقبتأمين حاجة البلاد من الحبوب، والسكر وبتحقيق استقرار تمويني يكون منطلقًا لتحقيق الأمن الغذائي" وفقاً للمرسوم الاشتراعي رقم 143/59 المعدل بالقانون 20/67 وتعديلاته (نظام مكتب الحبوب والشمندر السكري) الذي يرعى عملها بالإضافة إلى الأطر القانونيّة التشريعيّة. فالمرسوم الذي يحمل الرقم 4797 تاريخ 22/06/1966 يمنحها صلاحية تموين البلاد بالحبوب الخبزية والدقيق وشراء المحصول المحلي منها بالأسعار التشجيعية.

وينصّ القانون على أنّ عمل المديرية العامة للحبوب هو تمويني واقتصادي وتجاري وتسويقي وتخزيني، ولا علاقة لها بالإنتاج الذي يبقى من اختصاص وصلاحية وزارة الزراعة.

وفي هذا الإطار، تواصلت مهارات نيوز مع كلّ من الوزيرين السابقين آلان حكيم ومنصور بطيش، الوزير عماد حب الله، ومدير المديريّة الحالي الّا أنّ أحدًا لم يقبل التحدّث عن الموضوع.

أين لبنان من زراعة الشمندر السكّري؟

المديريّة التي تحمل اسم الحبوب والشمندر السكّري، غير معنية بإنتاج هذه السلع اذًا، فالإنتاج من صلاحية وزارة الزراعة، فيما يحدد القانون صلاحياتها والمسؤوليات المكلفة بها بتنمية وتحسين وتشجيع إنتاج الحبوب وهي القمح والذرة والشعير، إضافة الى الشمندر السكري.

بالعودة الى تأسيسها وتاريخ نشاطها، يتضح ان زراعة الشمندر السكّري حازت على أهميّة في لبنان في الأربعينات وفي منتصف الخمسينات خصوصاً مع بدء العمل بمصنع السكّر عام 1958 بإنتاج 500 طن شمندر يومياً. وظلّ هذا الإنتاج يرتفع حتّى وصل إلى حوالي 4آلاف طن شمندر يومياً في العام 1985. ولكن بسبب الظروف الأمنيّة، توقّف العمل بهذا المصنع وبهذه الزراعة لمدّة ستّة أعوام. صدر بعدها عام 2000 القرار رقم 45 الذي يقضي بوقف دعم زراعة الشمندر السكّري لمدّة أربعة أعوام. وفي العام 2005، صدر القرار رقم 42 الذي مدّد زراعتي القمح والشمندر السكّري لمدّة ثلاث سنوات فقط، ليتوقّف بعدها الدعم عنهما.

في أغسطس/آب عام 2012، أصدرت الحكومة اللبنانيّة قراراً لدعم عدّة مشاريع زراعيّة بمبلغ قدره 45 مليار ليرة لبنانيّة من بينها 25 مليار ليرة لبنانيّة لدعم زراعة الشمندر السكّري الّا أنّ هذا المبلغ انخفض كثيراً فلم يزد الإنتاج عام 2013 عن 18 ألف طن زُرعت على مساحة لا تزيد عن 2700 دونم مقارنةً بـ 70 ألف دونم في المراحل السابقة.

وطالب مزارعو البقاع في أوائل العام 2020 من وزارة الزراعة إدراج بند إعادة زراعة الشمندر السكّري لما لذلك من أهميّة في تخفيف استيراد السكّر وإعطاء فرص عمل جديدة. وخلال الزيارة، صرّح وزير الزراعة في حكومة تصريف الأعمال، عبّاس مرتضى، أنّ "إعادة زراعة الشمندر السكري في البقاع يخفف ٢٥ بالمئة من استيراد السكر وتخفيف تصدير العملة الصعبة من لبنان ويعتاش من هذا القطاع حوالي ٣٠٠٠ آلاف عائلة وان سياسة الحكومة (التي استقالت في اغسطس/آب الماضي بعد انفجار مرفأ بيروت) تعمل في هذا الاتّجاه".

غير أنّ المشروع لم يبصر النور. فزراعة الشمندر السكّري تواجه تحدّيات عديدة يشرحها  المهندس الزراعي وأحد مؤسسي مجموعة "ازرع" على فايسبوكسليم زوين، لـ "مهاراتنيوز" أبرزها إنّ الانتاج غير تنافسي وأكثر كلفة من استيراد السكّر. ويوضح زوين أنّ مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية في لبنان (LARI) قد عملت لحوالي عقدٍ كامل على دراسات علميّة زراعيّة لكيفيّة زيادة محتوى السكّر (sugar content) في الشمندر السكّري ولكن لم تخلص هذه الدراسات إلى نتيجة عمليّة بسبب غياب الاستراتيجيّة والرؤية وخطة العمل المستدامة من قبل المعنيّين. وعندما تمّ رفع الدعم عن الشمندر السكري، ذهبت كل هذه الأبحاث وتكاليفها هباءً، وفق زين. ويضيف: "القمح والشمندر السكّري هي من المزروعات الاستراتيجية لأنّها أساسيّة، ودولة كلبنان معرّضة للأزمات في أي وقت يجب ألا تعتمد فقط على استيراد هذه المزروعات والبضائع لما في ذلك من خطر وتهديد على الأمن الغذائي لسكّان لبنان".

"وتحتم الازمات الاقتصادية والمعيشية في لبنان تأمين كفاية ذاتية من القمح والسكر، بالنظر الى العجز عن استيراده، من خلال زراعة الشمندر السكري" الذي باتت جدواه الاقتصاديّة اليوم أكبر من أي وقت مضى، بحسب زوين.

وبحساباته الأوليّة التقريبيّة،يحتاج لبنان الى 600-700 كم2 من المساحة لزراعة القمح بهدف توفير حاجات لبنان من الخبز، وحوالي 800 كم2  شمندر سكري لتأمين حاجات لبنان من السكّر وبالتالي يبقى حوالي 2000 كم2 للزراعات الأخرى إذ إنّ مجموع الأراضي الزراعيّة في لبنان يبلغ 3600 كم2".

دور المديريّة في تأمين القمح

أمّا فيما يخصّ  تأمين القمح، فتناول تقرير "مراجعة إستراتيجية لأمن الغذاء والتغذية في لبنان" للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (ESCWA) في أيّار 2016 دور المديريّة العامّة للحبوب والشمندر السكريّ بحيث تقوم الأخيرة، "بموافقة وزارة الحكومة، بشراء القمح من الأسواق العالميّة وتبيعه لمطاحن خاصة بأسعار مدعومة". بالإضافة إلى ذلك، "تدعم المديرية عملية إنتاج القمح المحلي وهي عبارة عن ١٣٠٠ مزارع ينتجون نوعية قمح أقسى من القمح الكامل المستورد وتعرف بالقمح الصلب". الّا أنّ التقرير سلّط الضوء على ثلاث نقاط أساسيّة:

  1.  "لا تزال الآليات التي تستخدمها الحكومة لشراء القمح مرتبطة بمفاوضات بين عدة أطراف."
  2. "منافع الدعم لا تخدم الفقراء ولا توزّع بشكل متناسب... في لبنان، يستفيد من الدعم فقط ٢٥ ٪ من أفقر ٢٥ ٪ من السكان."
  3. "تملك وزارة الاقتصاد الصلاحية القانونية لضبط الأسعار في السوق بحيث لا تتجاوز سعر الكلفة بأكثر من نسبة ١٠٠٪، كما أن وزارة الاقتصاد والتجارة تملك حق تحديد هامش للأسعار وسقف للأرباح لكافة البضائع والخدمات... لكن هذه الصلاحيات قلّ ما تستخدم".

ويستورد لبنان بين ٦٥و٨٠٪ من احتياجاته الغذائيّة علماً أنّ المواد الأكثر استهلاكاً في لبنان هي الخبز والحبوب ومشتقات الحبوب (٣٥٪)، يليها الحليب ومنتجات الألبان (١١٪)، ثم اللحوم والدواجن (٨.٨٪)، بحسب تقرير لـ "الاسكوا" في العام 2016. ويقابل هذا الاستهلاك الكبير للحبوب والخبز، ضعف وعجز لمديريّة الحبوب.

ومع ان القانون يعطي المديرية العامة للحبوب والشمندر السكري الاشراف على عمل المطاحن والأفران وتراقب انتاجهما كما تعمل على بيع هذا الإنتاج بأسعار مدروسة ومقبولة، الا أن الازمة الاخيرة أظهرت ان لا دور معلناً لهاحتى في تنظيم ومراقبة هذا الإنتاج. فالمطاحن والافران عقدت مفاوضات مع وزارة الاقتصاد مباشرة، من غير ظهور مدير عام الحبوب والشمندر السكري في المشهد التفاوضي، فضلاً عن ان السلة الغذائية التي دعمتها الوزارة، لم تتضمن مشاركة أو رأياً معلناً للمديرية التي يبدو ان صلاحياتها مقيّدة، رغم التفويض الذي منحه وزير الاقتصاد منصور بطيش في العام 2019 والذي يتيح لها "عقد الصفقات بموجب بيان أو فاتورة وفقاً لأحكام المادة 151 من قانون المحاسبة العمومية وتعديلاته".

 

حصّة المديريّة من الموازنة:

هذا الدور المحدود للمديرية يشرّع الاسئلة عن وجهات انفاقها من الموازنة، علماً أن ميزانيتها تتبع الميزانيات الملحقة في موازنة المالية العامة للدولة بالإضافة إلى ميزانيتين ملحقتين للاتصالات واليانصيب الوطني.

واستحوذت موازنة مديريّة الحبوب والشمندر السكري في موازنة العام 2020، على حوالي 30.7 مليار ليرة لبنانيّة من بينها 580 مليون ليرة لبنانيّة بدل مخصّصات ورواتب وأجور.وفيما لا يزيد مجموع وارداتها عن حوالي 18 مليار ليرة لبنانيّة (12 مليون دولار وفق سعر الصرف الرسمي) تبلغ الإيرادات من وفر موازنة المديريّة صفراً.


وتشهد المديريّة في السنوات الأخيرة انخفاضًا ملحوظًا في حصّتها من الموازنة والتي تقلّصت من 77.5 مليار ليرة لبنانيّة عام 2016 إلى 31.3 مليار ليرة لبنانيّة عام 2019 ومن ثمّ إلى 30.7 مليار ليرة عام 2020. وهي تقع في عجز سنوي مستمر ومتكرّرممّا يوضح تقليص وتحجيم دورها وضعف انتاجيّتها.

المصدر: معهد باسل فليحان الماليّ والاقتصاديّ

 

الموازنة والرقابة

تظهر موازنة المالية العامة للعام 2020، انّ نفقات المديريّة تتنوّع بينرواتب وأجور (580 مليون ليرة لبنانيّة)، مواد زراعيّة (حوالي 27 مليار ليرة لبنانيّة)، ايجارات وخدمات مشتركة (حوالي مليار) وعدد من النفقات الأخرى.

وتعد المديرية مسؤولة عن استيراد القمح لحسابها عندما تقضي بذلك حاجة التموين بعد موافقة مجلس الوزراء ولا تخضع للرقابة المسبقة التي يمارسها ديوان المحاسبة على الصفقات الفورية المرتبطة بعروض ذات أجل لا يتجاوز ثلاثة أيام، بحسب ما ينصّ البند الرابع من المادّة الرابعة من المرسوم الاشتراعي رقم 143 أنّ المديريّة. أمّا المادّة 2 من المرسوم نفسه فتنصّ على أنّ أعمال مكتب القمح (المديريّة) تخضع لقوانين المحاسبة العمومية وديوان المحاسبة وأنظمة موظفي الدولة.

ولكنّ المديريّة التي تتميّز باستقلاليّة ميزانيّتها، لا تتمتّع باستقلاليّة في عملهافدورها غائب وصلاحيّاتها محدودة وهي عاجزة عن القيام بمهامها خصوصًا في ظلّ هذه الظروف الاقتصاديّة القاسية والداكنة التي يعيشها المواطن ممّا يطرح تساؤلًا مشروعًا عن جدواها والهدف من بقائها ورصد ميزانيّة ملحقة لها في موازنة الدولة.

TAG : ,مديريّة الحبوب والشمندر السكري ,غلاء أسعار ,الموازنة ,انقطاع الخبز ,اهراءات القمح