Loading...

قطاع الاتصالات في لبنان: قوانين غير مطبّقة وإصلاحات مؤجّلة في ظلّ التحوّل الرقمي

 

قد يصعب ربط معالجة إشكاليات قطاع الاتصالات بحياة المواطنين اليومية بصورة مباشرة، نظرًا إلى تعقيداته التقنية، لكن يكفي استعراض آثار سوء الإدارة في هذا القطاع على مدى عشرات السنوات، وعدم تطبيق القوانين والقرارات، لفهم مدى أهميته وحجم تأثيره. كم مرّة ينقطع الاتصال بالشبكة؟ وكم مرّة يتساءل المواطن اللبناني عن التكلفة المرتفعة لفواتير الإنترنت والاتصالات، التي تقابلها خدمة ضعيفة؟ وكم مرّة يسأل عن مصير بياناته وكيفية حمايتها؟

 

في ظلّ هذا الواقع المستمرّ، ومع التحوّل الكبير الذي يشهده العالم نحو الرقمنة والحاجة الملحّة إلى مواكبته، طُرح موضوع «التحوّل الرقمي وتحدياته في ظلّ السياسات والتشريعات القائمة» ضمن ملتقى «Bread and Net»، الذي أثار عددًا من النقاط المتعلّقة بتحديات قطاع الاتصالات والتحوّل الرقمي، إضافة إلى اقتراح قانون الاتصالات الجديد الذي تقدّم به النائب ياسين ياسين.

 

قطاع الاتصالات: أزمة مستمرّة

يقول النائب ياسين ياسين، في مقابلة مع «مهارات نيوز»، إنّ «واقع قطاع الاتصالات يعاني من مشكلتين مترابطتين: الأولى عدم استكمال تطبيق قانون الاتصالات، والثانية تغيّر الواقع الذي وُضع القانون لتنظيمه. فقد شكّل القانون رقم 431/2002 خطوة إصلاحية في حينه، إذ قام على استقلالية التنظيم، والفصل بين الأدوار، ومشاركة القطاع الخاص، والمنافسة. لكن التجربة اللبنانية أثبتت أنّ عددًا من مرتكزاته لم يُستكمل تطبيقه».

 

جاء حديث النائب ياسين خلال جلسة تناولت مدى جاهزية لبنان لمواكبة التحوّل الرقمي في ضوء واقع التشريعات والسياسات الحكومية، ضمن ملتقى «Bread and Net»، الذي تنظّمه منظمة «SMEX» سنويًا.

 

فعلى الرغم من وجود قانون الاتصالات رقم 431/2002، فإنّ النصّ القانوني، من دون تطبيقه، يصبح «حبرًا على ورق». فعلى مدى سنوات، لم يُطبّق القانون بصورة كاملة، وساد القطاع، بدلًا من ذلك، سوء الإدارة والإهمال وهدر المال العام، وهي مشكلات تتكشّف آثارها يومًا بعد يوم. من هنا، نستعرض أبرز النقاط التي تأخّر تطبيقها، وكيفية التعامل معها اليوم.

 

نصّ الفصل الثاني من قانون الاتصالات على إنشاء الهيئة الناظمة لقطاع الاتصالات وتحديد مهامها. إلّا أنّ الهيئة عانت لسنوات من التجميد، أو من عدم تعيين أعضائها واستكمال نصابها، ما حال دون ممارستها صلاحياتها بصورة كاملة.

 

وعلى الرغم من تعيين أعضاء الهيئة الناظمة في أيلول 2025، بقي دورها محدودًا، رغم أهميته. وفي هذا السياق، يقول النائب ياسين ياسين إنّ «الهيئة هي ضمانة لتنظيم السوق وفق قواعد مهنية عادلة. دورها تشجيع المنافسة، ومراقبة التزام المشغّلين، وحماية المشتركين، وممارسة صلاحياتها في الترخيص والتنظيم ضمن القانون. القاعدة التي انطلق منها القانون الجديد واضحة: الوزارة تضع السياسات العامة، والهيئة تنظّم وتراقب، والمشغّل يقدّم الخدمة».

 

من ناحية أخرى، يربط القانون رقم 431/2002 تحرير القطاع بالكامل بنقل إدارة أصول الدولة، بما فيها «أوجيرو» وشبكات الهاتف الخلوي، إلى شركة «ليبان تيليكوم». وتنصّ المادة 50 على انتقال صلاحيات الوزارة والمهام الموكلة إلى «أوجيرو» إلى الهيئة الناظمة بعد تأسيس الشركة. وبما أنّ هذه الشركة لم تُؤسَّس رسميًا بعد، تظلّ وزارة الاتصالات صاحبة الدور الأساسي في ملكية الشبكات الرئيسية وتشغيلها، ما يحدّ من قدرة الهيئة على ممارسة دورها.

 

«ليبان تيليكوم»: تقييم الأصول قبل استكمال الإصلاحات؟

لا يختلف مسار تأسيس شركة «ليبان تيليكوم» كثيرًا عن واقع القطاع عمومًا. ففي 8 تشرين الأول 2026، قرّر مجلس الوزراء تقييم أصول وزارة الاتصالات وموجوداتها والتزاماتها وأعمالها، إضافة إلى أصول هيئة «أوجيرو» وموجوداتها والتزاماتها وأعمالها، استكمالًا لمسار إنشاء الشركة. وقد أثار هذا التقييم عددًا من الإشكاليات.

 

أولًا، تنصّ المادة 44 من قانون الاتصالات على تأسيس شركة «ليبان تيليكوم» وتحديد رأسمالها ونظامها، قبل الانتقال إلى تقييم الأصول والأعمال الجارية التي يُقرَّر نقل ملكيتها أو حق الانتفاع بها من الوزارة إلى الشركة.

 

أي إنّ المبدأ القانوني يقوم على تحديد طبيعة الشركة ووظائفها والمهام الموكلة إليها، ثم تقييم الأصول التي تحتاج إليها. وهذا ما نبّهت إليه أيضًا هيئة الشراء العام في ملاحظاتها على دفتر الشروط الخاص بتقييم أصول القطاع، لناحية التسلسل الذي تفرضه المادة 44 من قانون الاتصالات، وضرورة تحديد الأصول التي سيُصار إلى نقلها قبل البدء بعملية التقييم. وفي السياق نفسه، أصدرت «المفكّرة القانونية» تحقيقًا مفصّلًا حول الإشكاليات المرتبطة بتقييم القطاع.

 

وفي السياق ذاته، تبرز إشكالية أخرى تتمثّل في الفوضى القائمة داخل قطاع الاتصالات، ولا سيّما انتشار شبكات الإنترنت غير الشرعية. فقد أشار تقرير لديوان المحاسبة إلى خسارة خزينة الدولة ما يقارب 128 مليون دولار سنويًا، في ظلّ وجود أكثر من مليون مشترك في شبكات الإنترنت غير الشرعية. وكانت «مهارات» قد أصدرت تقريرًا حول هذا الملف.

 

إضافة إلى ذلك، تجري عملية التقييم في ظلّ الحرب الدائرة وما خلّفته من أضرار في شبكات الاتصالات ومحطّاتها، ما يطرح تساؤلات حول دقّة عملية التقييم وواقعيتها، في ظلّ التغيّرات والأضرار التي قد تؤثّر في قيمة الأصول وحالتها. بذلك، يجري تقييم القطاع قبل تأسيس شركة «ليبان تيليكوم»، وقبل استكمال تنظيم السوق وإجراء الإصلاحات اللازمة، وتفعيل دور الجهات الرقابية، وتطبيق القرارات المتعلّقة بنقل المشتركين إلى الشبكات الشرعية.

 

في هذا السياق، أشار الصحافي المتخصّص في قطاع الاتصالات مهدي كريّم، في حديث إلى «مهارات نيوز» خلال ملتقى «Bread and Net»، إلى أنّ المشكلة الأساسية تكمن في النظرة الضريبية إلى القطاع، والتعامل معه باعتباره «نفط لبنان»، في حين كان من المفترض النظر إليه بوصفه قطاعًا خدماتيًا مربحًا ينبغي تطويره.

اقتراح قانون الاتصالات الجديد: التشريع لا يكتمل من دون التطبيق

خلال الجلسة، تحدّث النائب ياسين ياسين عن اقتراح قانون جديد للاتصالات، معتبرًا أنّ «القطاع تغيّر جذريًا؛ فلم تعد الاتصالات مجرّد هاتف نقّال وشبكة، بل أصبحت بنية أساسية للتحوّل الرقمي والاقتصاد الرقمي وخدمات الدولة والصحة والتعليم. وبالتالي، لا تقتصر المشكلة على عدم تطبيق القانون 431 بالكامل، بل تشمل أيضًا التغيّرات التي طرأت على القطاع».

 

وأوضح النائب ياسين أنّ الحلّ اليوم يكمن في إعادة بناء الإطار التشريعي استنادًا إلى التجربة اللبنانية، وبما يواكب التحوّلات التي يشهدها القطاع واحتياجاته. ولهذا، يقوم اقتراح القانون على مجموعة من المبادئ، أبرزها:

 

- الانتقال من تنظيم خدمات الاتصالات التقليدية إلى تنظيم القطاع الرقمي بصورة أشمل: لم تعد الخدمات مقتصرة على الاتصالات الصوتية، بل بات من الضروري مراعاة الترابط بين الشبكات والبنى التحتية والخدمات والمنصّات ونقل البيانات.

- اعتماد إطار قانوني مرن ومحايد تقنيًا: بحيث لا يرتبط بأحكام تقنية محدّدة قد تصبح قديمة بعد سنوات، ما يجنّب الحاجة إلى تشريعات جديدة لمواكبة كل تطوّر تقني.

- توحيد التراخيص وتحديث أدوات الترخيص والحوكمة: مع توضيح المسؤوليات والفصل بين الجهات التي تضع السياسات العامة، وتنظّم القطاع وتراقبه، وتشغّل الشبكات، وتقدّم الخدمات. ويُعدّ هذا الفصل ضروريًا لمنع تضارب المصالح وتحديد المسؤوليات، خلافًا لما يشهده الواقع الحالي.

- تشجيع الاستثمار والمنافسة ومشاركة القطاع الخاص: ضمن قواعد شفافة، مع الحفاظ على دور الدولة في حماية المصلحة العامة.

- تنظيم البيانات وحفظها وتعزيز الخدمة الشاملة: بما يتيح للمواطنين الاستفادة إلى أقصى حدّ من التحوّل الرقمي، مع الحفاظ على السيادة الرقمية، ولا سيّما في ظلّ ما يشهده العالم من صراع على البيانات.

 

من هنا، يمكن العودة إلى القاعدة الأساسية: إنّ التشريعات والإصلاحات القانونية مهمّة وضرورية، لكن العبرة تبقى في القدرة على تنظيم القطاع، وتنفيذ القرارات، وتطبيق القوانين، بما يتيح استكمال المسار الإصلاحي لقطاع الاتصالات.

 

التحوّل الرقمي: حاجة أساسية تواجه تحديات متعدّدة

تطرّقت الجلسة إلى التحوّل الرقمي، بين التحديات والحلول. وفي هذا السياق، تحدّث مدير البرنامج الإعلامي في منظمة «SMEX» للحقوق الرقمية، عبد قطايا، عن أبرز التحديات التي تواجه التحوّل الرقمي في لبنان، بدءًا من ضعف التنسيق والتشريعات والبنى التحتية، وصولًا إلى غياب استراتيجية واقعية وفعّالة للانتقال الرقمي.

في ظلّ التحوّلات الرقمية المتسارعة، لم يعد إصلاح قطاع الاتصالات في لبنان خيارًا مؤجّلًا، بل ضرورة لمواكبة التطوّر وحماية حقوق المواطنين. لكنّ هذه المواكبة لا تتحقّق عبر إقرار تشريعات جديدة فحسب، بل تتطلّب تطبيق القوانين القائمة، واستكمال الإصلاحات المؤجّلة، وتعزيز الرقابة والمساءلة.

 

TAG : ,قطاع الاتصالات ,قانون الاتصالات ,التحول الرقمي ,القانون 431 ,القانون الجديد ,خبز ونت ,الهيئة الناظمة للاتصالات ,اوجيرو ,وزارة الاتصالات ,الانترنت الغير شرعي ,ليبان تيليكوم