لم يهدأ الجدل في أوساط بيروت السياسية والإعلامية والنيابية خلال الأيام الماضية حول المركز الذي يُجرى تجهيزه في منطقة الكرنتينا، ضمن خطة محتملة لنقل النازحين المتضررين من الحرب الحالية إليه، في ظل امتلاء العاصمة بعشرات آلاف النازحين من مختلف المناطق.
وسرعان ما تجاوزت القضية إطارها الإغاثي والإنساني المرتبط بمدى جاهزية المركز واستيفائه الشروط اللازمة، لتتحول إلى ملف سياسيّ وطائفيّ بامتياز، أعاد إحياء هواجس الماضي واستحضار ذكريات الحرب الأهلية اللبنانية. ترافق ذلك مع خطابٍ عامٍ اعلاميّ وسياسيّ اتجه نحو الخطاب التحريضي تجاه فئة النازحين ومن خلفهم البيئة الطائفية وربما السياسية التي ينتمون إليها مع ما يحمله هذا الأمر من مخاطر تُهدد السلم الأهلي.
وتتزايد المخاوف لدى البعض من أن يتحول المركز إلى نقطة حساسة أمنيًا في المنطقة، أو إلى واقع دائم بدل كونه حلًا مؤقتًا، إضافة إلى القلق من تأثيره المحتمل على حركة مرفأ بيروت. كما يطرح بعض المعارضين هواجس تتعلق بالتوازنات المحلية والطائفية في منطقة حساسة كالكرنتينا، معتبرين أن المشروع "سيفتح باب سيطرة حزب الله على المنطقة".
فهل سيتحول مركز النزوح المُزمع إنشاؤه في الكرنتينا الى واقعٍ سياسيّ وأمنيّ جديد في المنطقة؟
بحسب الجهات المعنية لن يتحول المركز في حال تم اطلاقه إلى أي واقع جديد في الكرنتينا حيث أكد بيان وحدة إدارة مخاطر الكوارث في رئاسة مجلس الوزراء أن كل ما يُشاع حول الموقع الذي يتم تجهيزه في الكرنتينا عارٍ من الصحة، وأن هذا الموقع يتم تجهيزه كإجراء احتياطي وليس للاستخدام الفوري، علمًا أن وجهة استعماله لم تُحدَّد بعد.
كما أن الموقع بحسب البيان يقع خارج نطاق مرفأ بيروت، ولا يؤثر بأي شكل من الأشكال على سير العمل أو العمليات فيه، كما أنه يبعد نحو كيلومتر واحد عن الأحياء السكنية. إضافة إلى ذلك، فإن بدء العمل في الموقع، متى تقرر، سيترافق مع الإجراءات اللازمة للحفاظ على السلامة العامة والعلاقة الطيبة مع المجتمع المحلي، كما أن المنطقة تخضع لإشراف الجيش والقوى الأمنية المختصة.
وأعادت الوحدة التذكير ب "ضرورة اعتماد خطاب مسؤول وهادئ في تناول هذا الملف، بعيدًا عن التضليل والتهويل، وبما يحفظ المصلحة العامة والوحدة الوطنية ويصون استقرار البلاد".
هذه المعطيات أكدتها أيضًا جهات حكومية منها نائب رئيس الحكومة طارق متري في حديث تلفزيوني. بالإضافة الى ما شرحته مجموعة من نواب بيروت الأولى الذين تحدث عنهم النائب نديم الجميل بعد لقاء مع رئيس الحكومة ناقلاً تأكيد سلام أن المركز تم تجهيزه ليس للاستعمال الفوري والآني، وسيُدرس الموضوع ووجهة الاستعمال وإلى الآن لا شيء مؤكدًا.
وحول طبيعة الخطاب المترافق مع هذه القضية يشرح الدكتور في علوم الإعلام والعميد السابق لكلية الإعلام في الجامعة اللبنانية الدكتور جورج صدقة في حديث لـ "مهارات نيوز" أنه دائمًا ما يتأثر الخطاب الإعلامي في لبنان بالسياق السياسي والاجتماعي، ولا يمكن فصله عن الواقع الذي يمنحه أبعاده ومعانيه. وفي ظل المرحلة الراهنة التي يمر بها البلد، والمتمثلة بحالة الحرب، يندرج الخطاب الإعلامي المرتبط بقضية مركز الإيواء في الكرنتينا ضمن هذا الإطار العام، بوصفه انعكاسًا مباشرًا للتوترات القائمة.
كما يعكس هذا الخطاب وفق صدقة في جانب كبير منه، وجود انقسامات داخلية عميقة، ويؤشر إلى استمرار حالة انعدام الثقة بمؤسسات الدولة، ما يعيد إنتاج مشهد "المتاريس" السياسية والإعلامية في مقاربة القضايا الحساسة. وعليه يجب الحذر من تحوّل هذا الواقع نحو خطاب تحريضي عنفي يُعيدنا للحرب الأهلية خاصة أنه صادر عن مواطنين وحتى صحافيين وسياسيين.
إذًا، غير صحيح أن مركز النزوح المُزمع انشاؤه في الكرنتينا سيتحول إلى واقعٍ سياسيّ وأمنيّ جديد في المنطقة حيث أن البيانات والمعلومات الرسمية تؤكد أن هذا الموقع يتم تجهيزه كإجراء احتياطي وليس للاستخدام الفوري، ووجهة استعماله لم تُحدَّد بعد وسيراعي حساسية المنطقة والمجتمع المحلي وسيكون اذا انطلق تحت اشراف مباشر من الجيش اللبناني والقوى الأمنية المختصة.