Loading...
false

غير صحيح

Mhkbiay5fd2culy7r9idmyhvp1w8b6viyn 9Gu3zpk7hsgc3atybsekxufaoxlsnaqoqv79h2c3bsv Edxpbjvitsrlafv6ecje4e8r7zpteblukuk Og8ez0sbpcvgdi264bx0kxteow6hawuk3wzl7dvqeudj8klnxh4udigbxwpq5mxjz9kc64pudbe00
هل ينحصر حق مقاضاة المصارف والتقدم بالدعاوى ضدها بمصرف لبنان أو حاكمه فقط؟
31/08/2026

أُثيرت في الأيام الأخيرة إشكالية قانونية حول الجهة المخوّلة بملاحقة المصارف قضائيًا، على خلفية موقف نُسب إلى المدعي العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج، مفاده أن هذه الصلاحية تعود إلى حاكم مصرف لبنان. وجاء ذلك عقب ردّ منسوب إليه على شكوى تقدمت بها رابطة المودعين والنائبة حليمة قعقور ضد أحد المصارف.

 

وتأتي الشكوى على خلفية عمليات مالية مع أحد المصارف، وُجّهت فيها الملاحقة، بتهم اختلاس أموال عامة وتبييض أموال، إلى عدد محدود من المسؤولين، رغم ورود شبهات في الملف تطال جهات وأطرافًا أخرى مرتبطة بالعملية، من بينها شخصيات سياسية وشركات خاصة، وسط مطالبات بتوسيع نطاق التحقيق ليشمل جميع من يُشتبه في تورطهم. 

 

وأثار هذا الموقف انتقادات واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي، نظرًا إلى حساسية القضية وارتباطها بأموال المودعين. واعتبر منتقدون أن حصر حق الملاحقة قد يُقيّد قدرة المودعين على اللجوء إلى القضاء والمطالبة بحقوقهم، في مقابل رأي يعتبر أن مصرف لبنان هو الجهة المعنية أساسًا بالعملية وصاحب الحق في تحريك الملاحقة، باعتبار أن الأموال مصدرها المصرف المركزي. نناقش في هذا التقرير الموضوع بعموميته لمعرفة حدود وصلاحية تقديم الدعاوى وللإجابة على السؤال التالي:

 

هل ينحصر حق مقاضاة المصارف والتقدم بالدعاوى ضدها بمصرف لبنان أو حاكمه فقط؟ 

يُبدي المحامي كريم ضاهر في حديثه لـ "مهارات نيوز" تحفظًا على حصر حق الملاحقة بمصرف لبنان، ويستند في ذلك إلى سببين أساسيين: حق المودع المتضرر في اللجوء إلى القضاء، وحق الدولة اللبنانية في حماية المال العام وملاحقة الجرائم التي تطاله.

 

أولًا، في حق المودع المتضرر في التقاضي:

يرى ضاهر أن المودع الذي يتعذر عليه استرداد وديعته أو أمواله من مصرف يُعد متضررًا، وبالتالي لا يمكن حرمانه من حق اللجوء إلى القضاء. وفي الوضع الطبيعي، (يُتذرع اليوم بتعاميم مصرف لبنان لتبرير منع سحب الوديعة في حين أن هذا المنع الطويل الأجل لا يمكن إقراره وتطبيقه إلا بموجب قانون - مع الإشارة إلى أنه في كلتا الحالتين يعتبر هذا الأمر مخالفاً للدستور ولا سيما لحق الملكية المنصوص عنه في الفقرة (و) من المقدمة والمادة 15) يستطيع المودع المطالبة بوديعته من خلال دعوى مالية، كما يمكنه الاستناد إلى القانون رقم 2/67 المتعلق بالمصارف المتوقفة عن الدفع. كما يمكن، بحسب طبيعة الوقائع، اللجوء إلى القضاء الجزائي على أساس جرائم مثل إساءة الأمانة أو الفساد أو الاختلاس، أو التوجه إلى قاضي الأمور المستعجلة، في ضوء سوابق قضائية ألزمت مصارف بتنفيذ التزامات تجاه مودعين.

 

ويشدد ضاهر على أن حق المودع في التقاضي ضد المصرف أو أحد إدارييه أو أشخاص آخرين متواطئين أو مشاركين لا يعني إمكانية تقديم دعوى لمجرد الادعاء، إذ يتعين عليه إثبات الضرر الذي لحق به، والفعل المنسوب إلى المصرف أو المسؤول عنه، والرابط بين هذا الفعل والضرر، وهي عناصر قد يكون إثباتها معقدًا في بعض الحالات.

 

ثانيًا، حق الدولة اللبنانية في حماية المال العام:

تُعتبر الأموال العائدة إلى مصرف لبنان أموالًا عامة، حتى مع تمتعه باستقلالية تجارية في سياق علاقاته مع الغير كما تنص عليه المادة 13 من قانون النقد والتسليف، ففي نهاية المطاف هو مصرف الدولة وشخص معنوي من القانون العام يتم تعيين إدارييه ومراقبتهم من قبل السلطة التنفيذية. وبالتالي، فإن أي اختلاس لهذه الأموال يُعدّ اختلاسًا للمال العام، ويدخل في إطار جرائم الفساد المنصوص عليها في القانون رقم 175/2020، وكذلك في تعريف أفعال الفساد الوارد في قانون الإثراء غير المشروع رقم 189/2020.

 

وفي حال ثبت أن هذه الأموال متأتية من أفعال فساد، فإنها تدخل وقتها في إطار أحكام القانون رقم 214/2021 المتعلق باسترداد الأموال المتأتية من جرائم الفساد، الذي يتيح للدولة اللبنانية العمل على استردادها. ويقتضي  لهذه الغاية إنشاء مجلس إدارة وصندوق وطني خاص يسترد ويدير ويستثمر الأموال، وقد جرى مؤخرًا إنجاز مشروع المرسوم التطبيقي المتعلق به من قبل لجنة خاصة معينه من قبل وزير العدّل، على أن يكون من أبرز أهداف الصندوق تعويض المتضررين من جرائم الفساد، وفي مقدمتهم المودعون.

 

وبالتالي، يرى ضاهر أن المسألة لا ينبغي اختزالها في سؤال من يملك حق ملاحقة المصرف ومن يظهره التحقيق متواطئًا أو مشاركاً في حرمان المودعين من حقوقهم وودائعهم؟، بل يجب النظر إليها من زاويتين: حق المودع المتضرر في الوصول إلى القضاء، وحق الدولة في حماية المال العام واسترداد الأموال المتأتية من جرائم الفساد. وعليه، لا يعتبر أن حصر حق الملاحقة بمصرف لبنان يمكن أن يُفهم كقاعدة مطلقة تنطبق على جميع أنواع الدعاوى والجرائم.

 

بدوره، يوضح الناشط في قضايا المودعين المحامي حسن عادل بزي لـ "مهارات نيوز" أن الدعاوى تنقسم إلى نوعين: مدنية وجزائية، مؤكدًا أن لكل مودع الحق في اللجوء إلى القضاء للمطالبة بحقوقه. ففي الدعوى المدنية، يحق لأي مودع، بصرف النظر عن طبيعة مشكلته مع المصرف، التقدم بدعوى أمام المحكمة المدنية المختصة، من دون أن يكون للنيابة العامة دور فيها.

 

أما الدعوى الجزائية، فتتضمن شقين: الحق العام الذي تتولاه النيابة العامة، والحقوق الشخصية للمتضرر. ويحق للأخير المطالبة، من خلال شكواه، بحقوقه الشخصية، كأصل الدين والتعويض عن الأضرار والنفقات، فيما تبقى المطالبة بإنزال العقوبة ضمن دعوى الحق العام التي تتولى النيابة العامة تحريكها.

 

لكن يشدد بزي على أن تحريك دعوى الحق العام لا يقتصر على النيابة العامة، إذ أتاح قانون أصول المحاكمات الجزائية لأي متضرر من جريمة، سواءً كان مودعًا في مواجهة مصرف أو متضررًا من جريمة أخرى، سلوك طرق قانونية لتحريك دعوى الحق العام. فإذا كان الفعل يشكل جنحة، يمكن للمتضرر تقديم شكوى إلى النيابة العامة المختصة، التي تقرر ما إذا كانت ستسير بها، كما أتاح القانون مسلكين آخرين، هما التقدم بشكوى مباشرة أمام قاضي التحقيق الأول المختص مكانياً ، أو أمام القاضي المنفرد الجزائي المختص مكانياً، بما لا يجعل تحريك الدعوى العامة مرهوناً بمشيئة النيابة العامة.

 

وبحسب بزي، فإن تقديم الشكوى المباشرة أمام قاضي التحقيق الأول يؤدي إلى تحريك دعوى الحق العام حكمًا، فتصبح النيابة العامة طرفًا في الدعوى وينطبق الأمر نفسه على الشكوى المباشرة أمام القاضي المنفرد الجزائي، حيث يستطيع المتضرر تحريك الدعوى والمطالبة بحقوقه الشخصية في الوقت نفسه. من هنا، لا يرى بزي أن بإمكان النيابة العامة منع المودعين من اللجوء إلى القضاء الجزائي، طالما أن القانون أتاح للمتضرر أكثر من طريق لتحريك دعوى الحق العام.

 

ويستند إلى الممارسة القضائية، بالقول: «تعثر المصارف عن دفع المستحقات يشكل، من حيث المبدأ، أساسًا واضحًا لإثبات الضرر. وهناك آلاف الدعاوى التي تقدمنا بها، وتقدم بها مودعون، سواء بالأصالة أو بالوكالة، أمام قضاة التحقيق أو القضاة المنفردين الجزائيين، وتابع القضاء النظر فيها وأصدر فيها أحكامًا مبرمة ».

 

وعن حق الدولة في ملاحقة المعنيين في المصارف، إذا ثبت أن أموالًا قد بُدّدت نتيجة عمليات فساد، يعتبر بزي أن دعوى الحق العام ليست حقًا حصريًا لفرد أو جهة واحدة، بل إن القانون يحدد الأشخاص والجهات التي يمكن أن تكون متضررة من الجريمة. ويمكن أن يكون هؤلاء أفرادًا، أو الدولة باعتبارها سلطة عامة، أو أشخاصًا معنويين كالشركات والبلديات والمؤسسات العامة، ومن بينها مصرف لبنان. وبالتالي، فإن أي جهة يثبت تضررها من الجريمة تملك، وفق الأصول القانونية، حق اللجوء إلى القضاء والمطالبة بحماية حقوقها.

 

وبذلك، يخلص إلى أن حصر حق تحريك الملاحقة الجزائية بالنيابة العامة، أو حصر حق الادعاء بمصرف لبنان هو كلام مخالف لقوانين العقوبات وأصول المحاكمات الجزائية والتجارة ، في ضوء التمييز بين الدعوى المدنية والجزائية، والآليات التي أتاحها قانون أصول المحاكمات الجزائية للمتضرر لتحريك دعوى الحق العام.

 

إذًا، القول بأن مصرف لبنان يملك وحده حق مقاضاة المصارف غير صحيح، إذ يتيح القانون لجهات وأشخاص متضررين، من بينهم المودعون والدولة والأشخاص المعنويون، اللجوء إلى القضاء للمطالبة بحقوقهم، كما يتيح للمتضرر من جريمة سلوك طرق قانونية لتحريك دعوى الحق العام. وبالتالي، لا ينحصر حق الادعاء أو تحريك الملاحقة القضائية بالمصرف المركزي وحده.