كنت أقلّب صفحات الفايسبوك عندما وقع نظري على صورة لجنود الاحتلال وهم يحضّرون الطعام بأريحية، داخل منزل «مغتصب» في بلدة بنت جبيل الجنوبية المحتلة. استفزتني الصورة كثيرا، إلى حدّ تفهمت تشدد صديقتي عندما قالت لي سابقا: «كنت أتمنى لو تهدّم منزلي في مركبا، ولم يدنّسه الإسرائيلي». ووقعت في دوامة: هل أنشر الصورة ؟ أم أتجاهلها حتى لا أساعد الإسرائيلي في استفزازنا؟ ثم نشرتها، ولم تنتهِ الدوامة، وحول مصداقية الصورة هذه المرة: هل كانت معدلة بالذكاء الاصطناعي؟ أم أنها حقيقية؟
هذه الحادثة لا تنفصل عن مسار التغطية الإعلامية للحرب الجارية، والتي يقع فيها الصحافي بين «فكي كماشة»: المهنية والمسؤولية الاجتماعية. وسط ضغوطات «السبق الصحافي»، وشحّ المعلومات، وغياب التوجيه. وتظهر إشكالية يصفها الصحافيون ب«المعقدة»، لها علاقة بالتعاطي مع الصور المنتجة في إسرائيل، مثل صور أسرى حزب الله، ونسف المنازل، والتقدم العسكري... وتنقسم إلى شقين، الأول يرتبط بصحة هذه الصور مع وجود هامش واسع للتضليل، والثاني، يتجاوز كون الصورة صحيحة تقنيا، إلى الهدف من النشر، في إطار حرب السرديات والحرب النفسية.
بين التحقق والسبق الصحافي
في استبيان أجريناه ضمن إعداد هذا التقرير حول تعاطي الصحافيين مع الصور التي تصل من الجانب الإسرائيلي، وشمل 10 صحافيين من مؤسسات إعلامية مختلفة، تضم تلفزيونات (lbci، الجديد، الميادين)، وصحف (النهار، الأخبار)، ومواقع إلكترونية («ليبانون ديبايت»، المدن، بنت جبيل، المفكرة القانونية، و«بوديوم»). تبين أن 8 من أصل 10 صحافيين (80%) يتريثون ويتحققون قبل النشر، لأن «المصداقية تبقى أهم من السبق الصحافي»، كما قال أحدهم. في المقابل، يقوم 2 من أصل 10 (20%) بالنشر فورا، إما بطلب من المؤسسة أو لأن «طبيعة بعض الصور تصنّف عواجل ولا يوجد وقت للتأكد منها».
ويتفق جميع الصحافيين الذين شاركوا في الاستبيان على ضرورة التعامل مع هذه الصور بحذر بناءً على مصدرها الإسرائيلي. أولا، لأن «هامش الكذب الاسرائيلي كبير». وثانيا لأن هذه الصور لا تأتي من طرف محايد، بل معتدٍ، مما يجعل «كل معلومة وصورة يبثها ليست عبثية، وإنما تخدم سرديته وأهدافه الدعائية، مثل إظهار التفوق العسكري أو التأثير على معنويات الجمهور».
عمومًا، «يجب التدقيق في أي محتوى قبل النشر، لا سيما خلال فترة الأزمات والحروب التي تعدّ أرض خصبة لانتشار الأخبار الكاذبة، بسبب النقص في المعلومات وتعطش الجمهور لمعرفة ما يجري، وسط أجواء من الخوف والقلق»، كما تقول الأستاذة في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية زينب خليل. «فكيف إذا كانت هذه الأخبار تصل من الجانب الإسرائيلي؟ وهي ليست دولة محايدة»،. لذلك، تجد خليل أنه «من السذاجة التفكير أن الإسرائيلي ينشر المواد بهدف إعلامي، في الوقت الذي يُستخدم الإعلام سلاحا في الحروب منذ الحرب العالمية الأولى، من أجل التضليل والتلاعب بالعقول والدعاية الموجهة للداخل والخصم».
الـ AI يصعب التحقق
نتيجة انتشار الأخبار الكاذبة والصور المضللة، أدخلت المؤسسات الإعلامية الكبيرة فرق خاصة لتدقيق المعلومات والصور وزودتها بالأدوات والتقنيات المتطورة اللازمة، حتى دخل توصيف وظيفي جديد إلى عالم الإعلام اسمه «مدقق معلومات». ولا يبدو أنه الحال في لبنان، حيث أشار 8 من أصل 10 صحافيين (80%) إلى جهود خاصة للتحقق. نذكر منها «الاستعانة بشبكات وجهات لديها إلمام بالوضع الإسرائيلي، أو أحد أبناء المنطقة للتعرف على الموقع، إضافة إلى التحقق من تاريخ النشر، استخدام تقنية «غوغل لانس»، أو انتظار وصول صور الأقمار الاصطناعية».
ويشير الصحافيون إلى امتلاك مهارات خاصة بالتحقق اكتسبوها، إما من خلال الخبرة في العمل في مجال الأخبار، أو عمل بحثي تناول موضوع الأخبار الزائفة وتقنيات التحقق، أو دورات تدريبية حول التغطية أثناء النزاعات والتحقق من المعلومات، من جهات متخصصة بالتدقيق الرقمي. في السياق نفسه، يتحدث 4 من أصل 10 (40%) عن جهود تبذلها المؤسسة للتحقق. هناك مؤسسة واحدة فقط تضم فريق مساعد للتحقق، بينما يقوم آخرون بعرض المواد المشكوك فيها على غرفة التحرير، ومنهم من يشاركون في حوار دائم مع فرق العمل وبحضور مستشار قانوني حول محددات صناعة الإعلام ومعايير النشر.
ورغم إظهار الصحافيين الذين شملهم الاستبيان إمكانية التحقق من صحة الصور بالأدوات المتوفرة لديهم، يؤكد مدير «برنامج الإعلام ومشروع حوكمة الإنترنت» في منظمة «سمكس» للحقوق الرقمية، عبد قطايا أن «المسألة ليست بهذه السهولة». ويشرح ذلك بالقول إنّ «محركات الذكاء الاصطناعي الجديدة، والتي تتطور باستمرار، تنتج صور دقيقة وتعطي تفاصيل بشرية للوجه واليدين، وحتى في الصور المتحركة (فيديو) مع تقليد الأصوات الأصلية، مقابل تراجع احتمال الأخطاء والثغرات التي كانت تساعدنا في كشفها، مثل الظلّ، وعدد أصابع، والتوقيت، المكان، وفائق الدقة. هذا يؤدي أحيانا إلى تضليل المحقق نفسه، ويجعل أدوات التحقق غير فعالة بالمطلق، بل نسبية».
ويعطي قطايا مثلا الفيديو الذي انتشر مع بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، والذي يظهر رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو في مقهى، بعد أيام على اختفائه، حيث «شكك الناس في صحة هذا الفيديو وخرجت مقالات ومنشورات وفيديوهات لتشرح صحته من عدمها، من دون التوصل إلى نتيجة جازمة، بل أقرب إلى التوقعات بكم يحمل الفيديو نسبة ذكاء اصطناعي». وينصح قطايا للتحقق «باستخدام مختلف الأدوات، وتنويع مصادر التحقق، ومقاطعتها، ومراجعة السياق العام للصورة، ضمن تفكير نقدي تحليلي».
الأساس في السردية
وبعيدا عن صحة الصور التي «صُنعت في إسرائيل»، تبرز إشكالية أخرى غير التضليل، وهي حساسية نشر منتج إسرائيلي. هنا، يبدو ضياع الصحافيين في حسم إجاباتهم. فأحدهم أجاب حرفيا عن رأيه من نشر هذه الصور: «لا أعرف، فالموضوع جدلي». ويرى 3 من أصل 10 (30%) أنه من الأفضل تجاهل هذه الصور، تفاديا لأثرها على معنويات الجمهور، على أن استخدامها للتوثيق هو، برأيهم «أمر مهم لكن ليس أثناء الحرب». ويؤيد 6 من أصل 10 (60%)، نشرها باعتبار أن «أي صورة تخرج عن أحد أطراف الصراع ومن المصادر الرسمية، ولو كانت إسرائيلية، هي مهمة لأنها تشبع حاجة الجمهور لمعرفة ما يحصل». ويجد أحد الصحافيين أن «المهمة الأساسية هي نقل الوقائع كما هي، لذلك غالبا لا أتعامل مع موضوع «معنويات الجمهور» كعامل أساسي في قراري بالنشر أو عدمه. ولا يعني ذلك تجاهل المسؤولية الإنسانية، أو التهويل أو التضليل». وهناك رأي آخر يجد نشر الصور أمر مهم ل «توثيق جرائم العدو وانتهاكاته». لكن الجميع يتفق على أهمية نقل هذه الصور ضمن سردية مختلفة عن السردية الإسرائيلية.
من جهتها، تشير خليل إلى أنّ «الصور ستصل إلى الناس عن طريق الفضاء الإلكتروني المفتوح، لكن يجب عدم مساعدة العدو في النشر، والترويج لدعايته، ويجب بدلا من ذلك التفكير في المسؤولية الاجتماعية التي تفرض عدم إثارة القلق وزعزعة المجتمع وإحباطه». أما إذا كان لا بد من نشر الصورة في سياق آخر، مثل الإدانة والمساءلة القانونية، أو هناك معلومة تحملها هذه الصورة تفوق أهميتها أهمية الأثر الذي قد ينتج عنها، ف«لا بد من صياغة الخبر وفق سردية خاصة، بعيدا عن سردية العدو، بعد مناقشة غرفة التحرير حول الجدوى من النشر».
الرأي القانوني
ما هو رأي القانون اللبناني إزاء نشر صور إسرائيلية الصنع؟ ومتى يُعدّ النشر جرما يُحاسب عليه؟ وهل يندرج في إطار التطبيع مع العدو؟ 7 من اصل 10 (70%) أجابوا عن هذه الأسئلة: «لا أعلم». ورجّح البعض أنه «طالما يجرّم القانون التعاطي مع العدو، يجب أن يشمل ذلك نشر صور من جانبه». في المقابل، توقع آخرون ألا يكون هناك مانع من استخدام مواد إسرائيلية ضمن إطار التغطية الإخبارية، مع ضرورة الإشارة الواضحة إلى المصدر». من جهة ثانية، أجاب 3 من أصل 10 (30%): «أعلم»، اثنين منهما أعطوا إجابات خاطئة أن النشر يعد تطبيع إلكتروني، والتعاطي مع مواد إعلامية إسرائيلية يحاسب عليه قانون مقاطعة إسرائيل». بينما وردت إجابة واحدة صحيحة، تقول إن «المقاربة القانونية تنظر إلى السياق والهدف، فإذا كان بهدف التوثيق لا يُعاقب عليه».
المحامي والباحث في المفكرة القانونية علي سويدان، يحسم الجدل، مشيرا إلى أن «النقل عن الجانب الإسرائيلي عموما لا يعد بحد ذاته شكل من أشكال التطبيع ولا جرما يحاسب عليه القانون اللبناني، لكن هناك معايير تقييم المادة وتصنيفها، انطلاقا من المقاربة والسياق». ويشرح أنه «يجب ألا يتسبب نشر الصور أي ضرر لطرف ما، أو انتهاك للخصوصية والكرامة الإنسانية، أو تحويل معاناة الضحايا إلى مادة للبروباغندا والتسلية والسخرية أو استخدامها للترهيب». ويعطي مثلا، إعادة نشر صور أسرى الحرب عن الجانب الإسرائيلي، «يعدّ انتهاكا للقانون الدولي وجريمة حرب، لأنه يتعدّى على خصوصية الأسير إرضاء لفضول الجمهور». في المقابل، إذا كان الهدف من النشر توثيق انتهاكات العدو وجرائم الحرب التي يرتكبها، من نسف المنازل ف«هذا ليس خطأ، شرط أن يكون في سياق التوثيق وليس بداعي الترهيب».
خاتمة
صحيح أنّ وعي الصحافي لحساسية التغطية الإعلامية خلال الحرب، وكيفية التعاطي المهني والمسؤول تجاه الصور التي تصل من الجانب الإسرائيلي هو أمر مهم للغاية. لكن، يبقى القرار الفصل حول النشر والمقاربة للمؤسسة الإعلامية. وغالبا ما تحكم التغطية عدة اعتبارات طائفية وسياسية، وأخرى تتعلق بما تطلبه الجهات الممولة. مما يطرح السؤال عن دور وزارة الإعلام في ضبط المحتوى والخطاب الإعلامي في أكثر الأوقات حساسية، وبما يتماشى مع الضوابط التي نص عليها قانون المطبوعات وقانون الإعلام المرئي والمسموع.
يأتي هذا التقرير في إطار زمالة الصحافيين والصحافيات بعنوان "فهم بيئة المعلومات في زمن الحرب". الآراء الواردة في هذا المنشور لا تمثل بالضرورة وجهات نظر مؤسسة فريدريش إيبرت. ينشر هذا التقرير بالتزامن مع موقع جريدة الأخبار.
TAG : ,المهنية ,المسؤولية ,الصحافيون ,صور