في ظلّ وضعٍ اقتصاديٍ منهك، من المتوقع أن تترك الإجراءات الضريبية الأخيرة أثرًا سلبيًا على الاقتصاد والمواطنين، بينما يرى بعض الخبراء وجود بدائل أكثر عدلًا وأقل إجحافًا على الفئات الفقيرة والمتوسطة، مثل مكافحة التهرّب الضريبي والجمركي، تحصيل رسوم الأملاك البحرية، فرض الضرائب على العمالة الأجنبية، واسترداد الرسوم والضرائب المستحقة على قطاع الكسارات، والتي قد تؤمّن إيرادات إضافية دون تحميل المواطنين أعباء جديدة.
فبعد قرار مجلس الوزراء بفرض رسمٍ بقيمة 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين، وزيادة الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 1% لتمويل زيادات رواتب موظفي القطاع العام، يتّجه عبء هذه الإجراءات إلى اللبنانيين عمومًا، مع ما قد يرافق ذلك من تداعيات على مستوى المعيشة والاستقرار الاقتصادي.
وبين سعي الحكومة إلى الاستجابة لمطلب اجتماعي ملحّ يتمثل في تحسين أجور العاملين في الدولة، وحاجتها إلى تأمين إيرادات سريعة للخزينة، يُطرح تساؤل جوهري حول إمكان تبنّي مسار إصلاحي بديل يركّز على تعزيز الإيرادات من خلال سياسات أكثر عدالة، بما يضمن إنصاف القطاع العام بدل اللجوء إلى الضرائب المباشرة على المواطنين.
تبرير حكومي لزيادة الضرائب
ردّ وزير المال ياسين جابر، خلال مؤتمر صحافي عقده للدفاع عن خطة الحكومة لزيادة الضرائب والرسوم، مبرّرًا القرار بوجود أزمة متفاقمة أصابت القطاع العام بالشلل، في ظل تدنّي رواتب الموظفين والعسكريين الذين "يضحّون على الحدود وفي مختلف المناطق". وأوضح أنّ الحكومة وجدت نفسها أمام خيار لا بدّ من اتخاذه، فاختارت سيناريو من شأنه أن يكلّف الخزينة نحو 800 مليون دولار أميركي، متسائلًا: "هل تستطيع الخزينة تحمّل هذا المبلغ من دون حدّ أدنى من التوازن؟".
وأشار جابر إلى أنّ الإجراءات المتخذة، سواء عبر زيادة ضريبة القيمة المضافة أو رفع الرسوم على البنزين، لن تغطي كامل الكلفة، لافتًا إلى أنّ الحكومة ستسعى إلى تأمين الجزء المتبقي من خلال تحسين الالتزام الضريبي وتعزيز إيرادات الجمارك.
وكانت الحكومة قد أعلنت أنّ كلفة الزيادة على رواتب القطاع العام تُقدَّر بنحو 800 مليون دولار سنويًا، ما استدعى فرض ضرائب ورسوم إضافية. ووفق تقديرات مشروع موازنة 2026، فإن رفع ضريبة القيمة المضافة بنسبة 1% يمكن أن يؤمّن نحو 207.7 ملايين دولار سنويًا، وهو مبلغ قابل للتحصيل الفوري من قبل الدولة.
انعكاسات سلبية على الاقتصاد والمواطن
أكدت مسؤولة قسم الاقتصاد في "المدن"، الصحافية عزة الحاج حسن، في حديثٍ لـ"مهارات نيوز"، أن الإجراءات الضريبية الأخيرة ستنعكس سلبًا على الاقتصاد والمواطنين، في ظلّ وضع اقتصادي منهك، حيث سترتفع الأسعار في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية، ما يفاقم الغلاء والتضخم ويؤدي إلى تباطؤ الاستهلاك ودخول السوق في حالة ركود إضافي.
وأوضحت أن الضرائب، سواء المباشرة أو غير المباشرة، لا سيما ضريبة القيمة المضافة (TVA)، تطال جميع الشرائح الاجتماعية لأنها تُفرض على المستهلك النهائي، أي على كل من يستهلك داخل البلاد، ما يجعل أثرها واسع الانتشار.
ورأت أن المشكلة لا تكمن فقط في القرار نفسه، بل في طريقة اتخاذه، إذ غالبًا ما يتم اختيار الإجراءات الأسرع تحصيلًا للإيرادات، مثل رفع TVA أو الرسوم على البنزين، على حساب الفئات الفقيرة والمتوسطة، رغم كونها من بين أكثر الخيارات كلفة اجتماعيًا واقتصاديًا.
وأضافت الحاج حسن أنّ أزمة رواتب القطاع العام ليست جديدة، وكان بالإمكان اعتماد إجراءات إصلاحية طويلة المدى، مثل: معالجة ملف الأملاك البحرية والكسارات، مكافحة التهرّب الضريبي، فرض ضرائب تصاعدية على الأرباح، إعادة النظر في إيجارات المؤسسات العامة، والحد من الهدر، وإعادة هيكلة القطاع العام، ما قد يوفر إيرادات مرتفعة ويخفّف النفقات بشكل مستدام وأكثر عدالة.
بدائل التمويل الممكنة
في المقابل، رأى الباحث في "الدولية للمعلومات" محمد شمس الدين في حديثٍ لـ "مهارات نيوز"، أن الحكومة اعترفت بلجوئها إلى الخيار الأسهل والأسرع لتحصيل الإيرادات، ففرضت ضريبة على البنزين، وتتجه إلى رفع الضريبة على القيمة المضافة من 11% إلى 12%. إلا أن هذا الخيار، بحسب شمس الدين، يتجاهل وجود بدائل عديدة قادرة على تأمين إيرادات إضافية، لكنها تتطلّب إرادة سياسية وإدارة فعّالة، وتمسّ في الوقت نفسه مصالح قوى سياسية وشخصيات نافذة تقف خلف مؤسسات ورجال أعمال يتهربون من الضرائب والرسوم.
وأشار إلى ملف الأملاك العامة البحرية، التي تُقدَّر مساحتها بنحو 5.5 ملايين متر مربع ويشغلها حوالى 1,270 مستثمرًا، يرتبط عدد كبير منهم بجهات سياسية في المناطق المعنية. وتُفرض على هؤلاء رسوم متدنية تُحتسب على أساس سعر للمتر المربع يقلّ بكثير عن السعر الرائج للأملاك الخاصة المحاذية. فبينما قد تبلغ قيمة المتر في الأملاك الخاصة المحاذية نحو 100 دولار، يُقدَّر في الأملاك البحرية بـ 50 دولارًا أو حتى 25 دولارًا فقط، بحجة عدم جواز البناء عليها. إلا أن الواقع يُظهر قيام العديد من الشاغلين بالبناء من دون رادع، ما يجعل الاستخدام فعليًا مماثلًا للأملاك الخاصة. كما يُحتسب بدل الإشغال الذي تتقاضاه الدولة بنسبة 0.5% فقط بدلًا من 3% أو 5% كما هو معمول به، ما يتسبب بخسائر كبيرة للخزينة. ويُعد هذا الملف مصدرًا واعدًا لإيرادات يمكن أن تكون مرتفعة جدًا إذا أُحسن تنظيمه.
وطرح شمس الدين أيضًا مسألة التهرّب الجمركي، إذ بلغت قيمة المستوردات نحو 21 مليار دولار خلال العام الماضي، فيما لم تتجاوز الإيرادات الجمركية 550 مليون دولار. ورغم وجود سلع معفاة وأخرى تخضع لرسوم تتراوح بين 5% و70%، يُفترض ألا تقل الإيرادات عن مليار دولار على الأقل، ما يشير إلى فجوة تُقدَّر بنحو 450 مليون دولار ناجمة عن التهرّب الجمركي. والمقصود هنا ليس التهريب غير الشرعي، بل التهرّب وهو التصريح غير الدقيق عن البضائع عبر المرفأ أو المطار لتسديد رسوم أدنى من المستحق.
أما في ما يتعلق بالضريبة على القيمة المضافة، فتُقدَّر إيراداتها بنحو 2.1 مليار دولار، في حين يُفترض ألا تقل عن 3 مليارات دولار، نتيجة قيام بعض المؤسسات بتحصيل الضريبة من المستهلكين من دون التصريح عنها بالكامل، في ظلّ غياب الربط الإلكتروني الفعّال بين المؤسسات الضريبية.
ويُضاف إلى ذلك ملف العمالة الأجنبية، إذ يقدَّر عدد العمال الشرعيين في لبنان بأكثر من 150 ألفًا، فضلًا عن عدد مماثل من غير الشرعيين، وتُفرض على هؤلاء رسوم محدودة تتراوح بين 300 و400 دولار سنويًا، في حين يُفترض أن يخضعوا لضرائب ورسوم أعلى. إلا أن ضعف التطبيق وارتباط بعض المؤسسات المشغّلة بقوى سياسية يحولان دون ذلك.
ومن الملفات المهمة أيضًا الأملاك النهرية غير المنظمة، والتي تُعدّ بحسب شمس الدين، أكثر أهمية من الأملاك البحرية من حيث القدرة على توليد الإيرادات، لكنها لا تزال مهملة من دون تنظيم فعلي. كذلك يلفت إلى قطاع المولدات الكهربائية الخاصة، حيث يحقق أصحاب المولدات أرباحًا مرتفعة جدًا، قد تتراوح بين مليون ومليوني دولار سنويًا لكل صاحب مولد، من دون أن تقابلها ضرائب متناسبة مع حجم هذه الإيرادات.
كما يبرز ملف ضريبة الأملاك المبنية، إذ يقدَّر عدد الفيلات والشقق التي تتجاوز قيمة الواحدة منها خمسة ملايين دولار بأكثر من 250 ألف وحدة، فيما لا تتجاوز الضريبة السنوية المدفوعة عنها نحو 500 دولار. ويُفترض، وفق تقديراته، أن تتراوح الضريبة بين 10 آلاف و20 ألف دولار سنويًا لكل وحدة، ما قد يؤمّن للدولة أكثر من 2.5 مليار دولار من هذا الباب وحده.
وخلص شمس الدين إلى أن البدائل المتاحة لزيادة الإيرادات كبيرة ومتعددة، غير أن تطبيقها يتطلب قرارًا سياسيًا يطال مصالح الطبقة السياسية نفسها بمواجهة مكامن الخلل البنيوي ومعالجة مواطن التهرّب والامتيازات، بدل الاكتفاء بفرض أعباء إضافية على المواطنين.
ثغرات مالية في الدولة
من جهتها، اعتبرت النائبة حليمة القعقور في حديث لـ "مهارات نيوز"، أنّ المعطيات المالية تُظهر أنّ الدولة تكبّدت خسائر كبيرة في الإيرادات نتيجة حماية بعض الفئات وغياب تطبيق الإصلاحات، رغم أنّ قيمة الاستيراد تبلغ نحو 20 مليار دولار سنويًا مقابل صادرات لا تتجاوز 3 مليارات دولار.
وفي ما يتعلق بالتهرّب الجمركي، أشارت إلى أنّ عائدات الرسوم الجمركية لم تتجاوز 562 مليون دولار، أي ما يعادل نحو 3% من قيمة الواردات، في حين يُفترض أن تصل إلى 10%، ما يعني وجود فجوة تُقدَّر بنحو 7%، على الرغم من الخطاب الرسمي المتكرر حول الإصلاح.
أما في ملف الكسارات، فأوضحت أنّ الدولة خسرت ما يقارب 3.7 مليارات دولار، رغم صدور نحو 1300 أمر تحصيل لم يُنفَّذ أيّ منها حتى الآن. ولفتت إلى أنّ قرارًا وزاريًا جديدًا أعاد إطلاق المسوحات الميدانية من دون تحديد مهلة زمنية واضحة، ما يمنح المخالفين هامشًا إضافيًا للمماطلة.
وفي الشأن الضريبي، قدّرت القعقور حجم التهرّب الضريبي بنحو 4.5 مليارات دولار منذ عام 2018، في ظلّ استمرار العمل بنظام ضريبي نوعي يتيح تعدد مصادر الدخل من دون إخضاعها لضريبة موحّدة. ورغم إعداد مشروع قانون لضريبة موحّدة تصاعدية على مجمل الدخل، لم يُقرّ حتى الآن بحجة الحاجة إلى مزيد من الدراسة.
وأضافت أنّ إعفاء الشقق الشاغرة من ضريبة الأملاك المبنية يؤدي إلى خسارة تُقدَّر بنحو 100 مليون دولار سنويًا، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي، الذي أشار إلى أنّ إلغاء هذا الإعفاء يمكن أن يوفّر إيرادات إضافية تعادل نحو 0.3% من الناتج المحلي الإجمالي.
كما أشارت إلى أنّ ضريبة الأملاك المبنية لا تزال غير مطبّقة بشكل تصاعدي، فيما تتسبب الأملاك البحرية بهدر إضافي نتيجة اعتماد بدل إشغال بنسبة 0.5% فقط بدلًا من 6%، فضلًا عن تخمين قيمتها بأقل من قيمة العقارات المجاورة.