صحيح جزئياً
تداولت وسائل إعلام ومواقع إلكترونية معلومات تفيد بأن خدمات الإنترنت الفضائي التابعة لشركة ستارلينك ستبدأ رسميًا في لبنان اعتبارًا من منتصف أيار 2026، بعد أشهر من الجدل القانوني والتنظيمي حول المشروع. غير أن اقتراب موعد التشغيل لا يعني بالضرورة حسم كل الإشكالات المرتبطة به، إذ لا تزال تساؤلات قائمة حول ما إذا كانت العقبات القانونية والتنظيمية والأمنية قد عولجت بالكامل، إلى جانب الاعتراضات المتعلقة بالرقابة على البيانات والسيادة الرقمية.
فهل تنطلق فعلًا خدمات "ستارلينك" رسميًا في لبنان منتصف أيار؟
في 11 أيلول/سبتمبر 2025، أقرّ مجلس الوزراء اللبناني منح شركة ستارلينك ترخيصًا لمدة عامين لتقديم خدمات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية التابعة لشركة SpaceX في مختلف المناطق اللبنانية، على أن تقتصر الاستفادة منها في البداية على الشركات التجارية. إلا أن الحكومة عادت في 5 آذار/مارس 2026 وعدّلت القرار نفسه، موسّعة نطاق الجهات المسموح لها باستخدام الخدمة ليشمل المؤسسات الحكومية والسفارات والمنظمات غير الحكومية، مبرّرة ذلك بـ"الظروف الاستثنائية" المرتبطة بالحرب وتداعياتها الإنسانية.
وبحسب الهيئة المنظمة للاتصالات، لم تُطلق خدمات ستارلينك تجاريًا في لبنان حتى الآن، إذ لا تزال قيد التحضير على المستويين التنظيمي والتقني، بما يشمل استكمال الاختبارات الفنية والحصول على الموافقات الأمنية المطلوبة. وتشير الهيئة إلى أن الإطلاق التجاري للخدمة متوقع في أو حوالي 15 حزيران /يونيو 2026، على أن يبقى الموعد النهائي رهنًا بالتأكيد الرسمي الصادر عنها.
وبموجب إطار الترخيص الحالي، يُسمح باستخدام الخدمة من قبل الشركات التجارية العاملة في لبنان لاستخدامها ضمن أنشطتها الخاصة، إضافة إلى استخدامها لتأمين الاتصال في القطاعين البحري والجوي ضمن الأراضي والمياه الإقليمية اللبنانية. كما يشمل الترخيص الجهات الرسمية والوزارات والإدارات العامة والسفارات ومنظمات المجتمع المدني المدرجة ضمن لائحة سيصدرها وزير الاتصالات تنفيذًا لقرار مجلس الوزراء، على أن تستفيد هذه الجهات من الخدمة بصورة استثنائية إلى حين إطلاقها التجاري الكامل. وفي المقابل، لا يسمح الإطار التنظيمي الحالي بالاشتراكات السكنية أو الفردية.
وتوضح الهيئة أن الخدمة ستصبح متاحة فور استكمال الإجراءات التنظيمية والأمنية والترتيبات التشغيلية المتبقية، متوقعة إنجاز ذلك بحلول منتصف حزيران 2026، على أن تُعلن أي تحديثات أو مواعيد نهائية للإطلاق عبر القنوات الرسمية التابعة لها.
وبحسب أوساط في وزارة الاتصالات، فإن مجلس شورى الدولة تلقّى مراجعات مقدّمة للطعن بالقرار، لكنه رفض طلب وقف التنفيذ، ما يعني أنّ المشروع لا يزال نافذًا. وتشير هذه الأوساط إلى أنّ إطلاق الخدمة بات قريبًا، على أن تسبقه مرحلة تجريبية، فيما لا تزال بعض المعدات التقنية بانتظار الوصول إلى لبنان، تمهيدًا لاستكمال التحضيرات وفتح باب طلبات الشركات للحصول على الموافقات اللازمة.
اعتراضات تنظيمية
لا تتمحور الاعتراضات حول مبدأ إدخال الإنترنت الفضائي بحدّ ذاته، بل حول آلية إدخاله إلى السوق اللبنانية من دون إطار تنظيمي مكتمل. وقد تقدّمت شركتان محليتان مزودتان لخدمات الإنترنت بطعون أمام مجلس شورى الدولة لوقف تنفيذ قرار مجلس الوزراء، إلا أنّ المجلس رفض طلب وقف التنفيذ، ما أبقى القرار ساريًا، فيما لا تزال الدعوى الأساسية قيد النظر.
كما ارتبطت التحفظات بغياب بعض الشروط التقنية والتنظيمية، لا سيما ما يُتداول حول إنشاء مركز تحكم أو إدارة بيانات خارج لبنان وتحديدًا في قطر، الأمر الذي يثير إشكاليات قانونية مرتبطة بقوانين التنصت والمعاملات الإلكترونية التي تشدد على ضرورة حفظ بيانات المستخدمين داخل البلاد وعدم نقلها إلى الخارج. كذلك، يُسجَّل اعتراض على كون الترخيص مُنح من وزارة الاتصالات بدلًا من الهيئة الناظمة للاتصالات، رغم التوازي الزمني بين القرار وتعيين الهيئة.
أما على مستوى الموافقات الأمنية، فلم يُحسم بشكل نهائي بعد، إذ تسعى الجهات المعنية إلى ضمان آليات واضحة للوصول إلى البيانات المرتبطة بالخدمة قبل تشغيلها الكامل، في ظلّ مخاوف تتعلق بـ"السيادة الرقمية" وإمكانية تخزين المعلومات خارج لبنان.
وبحسب المعطيات، فإنّ توسيع نطاق المستفيدين من الخدمة في آذار/مارس 2026، من الشركات التجارية ليشمل الوزارات والسفارات والمنظمات غير الحكومية، بحجة الظروف الإنسانية والطوارئ، تمّ قبل استكمال البنية الرقابية والتنظيمية، كما يطرح المشروع إشكاليات إضافية تتعلق بتأثيره المحتمل على سوق الاتصالات المحلي وإيرادات شركات الخلوي، وسط معلومات عن تعيين شركة "ألفا" كموزع رسمي في لبنان، ما يثير تساؤلات حول تضارب المصالح.
مقاربة داعمة لـ ستارلينك
في المقابل، يوضح خبير الاتصالات عامر الطبش في حديثٍ لـ"مهارات نيوز"، أن إدخال أجهزة ستارلينك إلى لبنان وتشغيلها لا يتم عشوائيًا، بل عبر القنوات القانونية والتنظيمية، وأن الشركة باتت في مرحلة استقبال الطلبات للمؤسسات، ما يجعل المشروع "في منتصف الطريق" بين الإطلاق الكامل والتجهيز النهائي، رغم أن التوزيع الواسع لم يبدأ بعد.
ويشير إلى أن الخدمة موجّهة أساسًا للمؤسسات والشركات، ولا سيما في المناطق التي تعاني ضعف التغطية، وليست مخصصة للاستخدام الفردي أو المنزلي، ويمكن عندما تتمكن الدولة لاحقًا من توسيع البنية التحتية الرقمية ومدّ شبكات الألياف الضوئية إلى مختلف المناطق اللبنانية، أن تختار هذه المؤسسات بين البقاء مع ستارلينك أو العودة إلى الاشتراك بالشبكات الأرضية الرسمية.
كما يؤكد أن الترخيص لا يمنح ستارلينك أي احتكار في السوق، إذ يمكن لأي شركة أخرى تقديم الخدمة بالشروط نفسها، رغم عدم وجود منافسة فعلية حاليًا في مجال الإنترنت الفضائي.
ويلفت إلى أن الدولة ستستفيد ماليًا من المشروع عبر عائدات تصل إلى 25% من الاشتراكات و25% من الأجهزة، ما يوفّر إيرادات للخزينة من دون أي كلفة تشغيلية مباشرة، على أن تبدأ الاشتراكات وفق الطبش بين 100 و120 دولارًا شهريًا، مع آلية طلب إلكترونية وتركيب سريع عبر تطبيق مخصص.
وفي ما يتعلق بمسألة "السيادة الرقمية"، يعتبر الطبش أن الاعتراضات مبالغ فيها، لأن معظم الخدمات الرقمية العالمية تخزّن بياناتها خارج لبنان أصلًا، وأن الأجهزة الأمنية اللبنانية وافقت على آليات الوصول إلى البيانات عند الحاجة القانونية أو القضائية. ويضيف أن الاعتراض على ستارلينك بحجة السيادة الرقمية يتناقض مع واقع استخدام اللبنانيين اليوم لمنصات عالمية مثل ميتا (واتساب وانستغرام) التي تحفظ بياناتها خارج البلاد أيضًا.
ويختم بالتأكيد على أن تنظيم الإنترنت الفضائي أفضل من تركه ضمن السوق غير الشرعية، وأن تطوير البنية التحتية الرقمية في لبنان بات ضرورة ملحّة في ظلّ التغيرات التكنولوجية والحاجة المتزايدة للاتصال السريع.
إذًا، إن الادعاء بأن خدمات "ستارلينك" ستبدأ العمل في لبنان منتصف أيار صحيح جزئيًا، إذ يُتوقع إطلاق تجريبي قريبًا مع استكمال الإجراءات التقنية، فيما تشير الهيئة المنظمة للاتصالات إلى أن الإطلاق التجاري مرجّح في حوالي 15 حزيران/يونيو 2026. في المقابل، فإن القول إن جميع العقبات القانونية والتنظيمية والأمنية قد حُلّت غير دقيق، مع استمرار الطعون أمام مجلس شورى الدولة واعتراضات متعلقة بالسيادة الرقمية وعدم حسم بعض الأطر التنظيمية والأمنية.