Loading...

تجنيد العملاء... إسرائيل تُمسك اللبنانيين من خاصرتهم الرخوة

 

في الحرب الأخيرة المدمّرة على لبنان، أظهرت اسرائيل تفوقًا هائلاً على صعيد التكنولوجيا، إنّ كان في الرصد أو التجسّس أو التنفيذ، لكن وعلى الرغم من ذلك، ظلّ تجنيد العملاء سلاحًا أساسيًا في معركتها.

 

لطالما اعتمدت إسرائيل على العملاء كجزء رئيسي من ترسانتها العسكرية، وهي منذ ما قبل 2010 بحسب مصادر أمنية كانت تُجنّد أشخاصًا ثبت تورّطهم في عمليات اغتيال في لبنان، وآخرين برتب ضباط ورتباء حوكموا بجرم التعامل مع العدو.

 

لكن بعد العام 2019 دخل التجنيد مرحلة جديدة. فمع بداية الأزمة الاقتصادية في البلاد استغل الموساد الإسرائيلي ضيقة اللبناني وبحثه عن فرص عمل في الخارج، وظهرت حينها شركات وهمية تستقطب السير الذاتية لعشرات آلاف اللبنانيين الباحثين عن وظيفة. بهذه الطريقة تمكّنت الاستخبارات الإسرائيلية من جمع داتا المعلومات الشخصية لهؤلاء ما أنتج عشرات الخلايا من العملاء وفق ما أفادت مصادر أمنية في شعبة المعلومات.

 

تجنيد العملاء في الحرب الأخيرة

إذاَ، ينشط الموساد منذ سنين على مسرح التجسسّ والتجنيد لتنفيذ أجندته وخططه في لبنان، لكن كيف تعاملت الأجهزة الأمنية اللبنانية مع العملاء خلال فترة الحرب بين لبنان واسرائيل؟

 

مع توسّع العدوان الإسرائيلي من الحدود الجنوبية إلى الداخل اللبناني، لاسيما في الضاحية الجنوبية لبيروت وضواحيها وفي البقاع أيضًا، اتسعت رقعة العمالة و تعدّدت أوجهها، وأصبحت كل معلومة بسيطة تُفيد الموساد وتخدم أهدافه العسكرية، لذلك نشط عمل العملاء المجنّدين.

 

في هذا الوقت تمكّنت الأجهزة الأمنية اللبنانية وفق ما أفادت مصادر في مديرية المخابرات في الجيش اللبناني وشعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي، وعلى الرغم من محدودية قدراتها وإمكاناتها المادية والتقنية، من توقيف 300 خلية من الجنسيات اللبنانية والسورية والفلسطينية والأجنبية، كانوا يعملون لصالح الموساد بطريقة مباشرة عبر جمع داتا لأماكن تواجد كوادر فلسطينية وأخرى من حزب الله وصور منازلهم وسياراتهم، بالإضافة إلى تصوير أماكن معروفة في بيروت مثل ساحة الشهداء والحمراء، ومدينة صيدا حيث يعيش أشخاصًا على صلة بحركة حماس والجهاد الإسلامي.

 

كيف كان يعمل هؤلاء؟!

شكّل تردّي الوضع الاقتصادي عاملاً أساسيًا في نجاح الموساد الاسرائيلي بجمع هذا القدر الهائل من الداتا عبر الخلايا التي جنّدها. فالحاجة إلى أي مورد مالي من دون التفكير بماهية مصدره الأساسي كانت دافعًا أساسيًا لانخراط كثيرين في التعامل مع العدو، الذي كان بدوره يستفيد من أي معلومة تصله لمقاطعتها مع ما يملك من داتا تسمح له باستكمال خطته.

 

هؤلاء كانوا يتعاملون مع أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية التي كانت تطلب منهم تنفيذ بعض الخدمات البسيطة إمّا بعلمهم بأنهم يتعاملون مع العدو وإما عن طريق الخديعة. وبحسب الصحافي المتخصص في الشأن الأمني رضوان مرتضى فإنّ أحد المشتبه فيهم كان يعمل "ديليفري" (خدمات التوصيل)، طُلب منه شراء كتاب من إحدى المكتبات المعروفة وتوصيله إلى منطقة بئر العبد في الضاحية الجنوبية ووضع رسالة داخل الكتاب مفادها: "اتصل بنا على هذا الرقم أو راسلنا على هذا العنوان البريدي". بناء عليه، قام العامل بإيصال الكتاب إلى منزل أحد كوادر حزب الله، وعند معاودة اتصال الموساد به سأله عن تفاصيل مثل صورة المبنى والشارع وهوية الشخص الذي فتح له الباب، وتلقّى مقابل خدمته 100$. لكن بعد تكوُّن شكوك لدى حزب الله حول مضمون الرسالة والكتاب تمَّ تبليغ الأجهزة الأمنية، فأوقف الأمن العام اللبناني الشخص المشتبه به حيث تبيّن أنه لم يكن على علم بأنَّ الجهة التي يعمل لصالحها هي الموساد الاسرائيلي بل كان يظنّ أنّه يعمل فعليّأً في مجال "الديليفري"، فتمّ إطلاق سراحه.

 

في سياق متّصل، يُفيد مرتضى أنّ شعبة المعلومات أوقفت شخصًا تبيّن أنه افتتح محل هواتف داخل الضاحية الجنوبية بطلب من الموساد وبمعرفة منه بذلك، وكانت مهمته شحن هواتف وبيعها في السوق. ويتحدث مرتضى عن عملاء آخرين طُلِب منهم فتح محل لبيع البلاط والحجر على أن يقوم الموساد بشحن هذه المواد إلى لبنان، فيما هو يتولى بيعها. كذلك ذكر مرتضى أنّ هناك حالات أخرى تعامل فيها أشخاص مع الموساد الاسرائيلي من باب الخديعة ولما اكتشفوا ذلك توقفوا وأبلغ بعضهم الأجهزة الأمنية.

 

بالإضافة إلى ذلك، كان الموساد الاسرائيلي يعمد إلى شراء أرقام هواتف لبنانية بلا هوية وتفعيلها وإرسالها للخارج ليتمكن من التواصل مع اللبنانيين وتجنيدهم بطريقة أسهل من خلال الحديث معهم.

 

عميل أُوقف إثر عملية استهداف منطقة البسطة

في منطقة البسطة في العاصمة بيروت، بتاريخ ۲۰۲٤/١٠/٣ أُلقي القبض على شخص من التابعية السورية يُدعى محمد إ. للاشتباه بعمله لصالح العدو الإسرائيلي بحسب ما أفاد مصدر أمني رفيع المستوى في مديرية المخابرات.

 

أُوقف المشتبه فيه من قبل مخابرات الجيش بعدما تبين أنه كان يقوم بتصوير منطقة البسطة قبيل الإستهداف الإسرائيلي لها، وبعد التحقيق معه تبيّن أنه كان يجمع صور لعدة مناطق في لبنان ويرسلها للموساد الإسرائيلي، وتبيّن أن علاقته بالعدو الاسرائيلي متطوّرة الى حد التواصل الدائم مع أشخاص إسرائيليين وتأييده للسلام مع اسرائيل.

 

وقبل توقيفه بعدة أيام تواصل معه رقم إسرائيلي من خلال محادثة صوتية، وفي سياق المحادثة سأله المتصل عمّا يجري في لبنان من أحداث وطلب منه الإدلاء بمعلومات وصور، فقام بإرسال فيديو كان قد تمّ نشره عبر مواقع التواصل الإجتماعي لحادثة انفجار محلّة الكولا قبل عدة أيام، وأخبر المدعو أبو خالد أنّ عناصر حزب الله كانت في المكان فطلب الأخير منه تزويده بمعلومات جديدة عن أحداث لبنان واعداً إياه بالعمل سوياً وتحويل الأموال له.

 

بعد عدة أيام حصل تفجير الباشورة، فغادر منزله خوفًا من القصف متوجهًا إلى وسط بيروت، وحاول الدخول إلى أسواق بيروت فمُنع كون المكان مقفل، تابع تجواله في الشوارع لعدّة ساعات ومن ثم عاد وتمّ توقيفه.

 

من هنا يتضح أن العامل البشري لربما ساعد الموساد الاسرائيلي أكثر من أي شيء آخر، لاسيما أنّ أغلب المناطق التي تمّ تصويرها من قبل العملاء المذكورين استُهدفت، ما أسفر عن سقوط شهداء وجرحى.

 

كذلك تُجمع معظم الأجهزة الأمنية على أنّ العامل البشري أساسي، ومهما وصل التطور التقني للجهاز الاستخباري، فإنّه يبقى بحاجة للعنصر البشرة لاكتمال الصورة.

 

أسباب متنوعة وأسلوب جديد

يعود تفوّق الموساد الإسرائيلي في تجنيده عملاء لصالحه بالدرجة الأولى لصعوبة الوضع الاقتصادي في البلدان المستهدفة، ومحاولة المواطنين الحصول على المال بأي طريقة كانت. وبالدرجة الثانية نجح الموساد في استقطاب الشبان بغية السفر الى دول أوروبا ظناً من العميل أن إسرائيل باب للدخول إلى عالم الغرب، أما بالدرجة الثالثة فإنَّ المواقف السياسية من جهات سياسية معينة يمكن أن يكون دافع للتوجّه لهذا الأمر من باب الانتقام.

 

إنّ حالات تجنيد العملاء اليوم أصبحت أسهل من السابق نظراً لتوافر وسائل التواصل الإجتماعي وإمكانية إستخدامها دون رقابة الدولة، كما في لبنان مثلاً حيث لا رقابة على الفايسبوك أو على الواتساب. وبالتالي يكون الطريق أسهل على المجنِّدين لاسيما بحالة استغلال الوضع الاقتصادي. هنا يكون الإستغلال مموّهًا بالظروف المالية حتى يقع الشخص فريسة حاجته فتبدأ الأمور من دون أن يعلن المجنّدون عن هويتهم، وبالتالي يكون الاستغلال إمّا مباشرة بتحويل المال لقاء الخدمة وإمّا بملاقاة المشغّل إلى الخارج والبدء من هناك.

 

هذا الأسلوب اعتمد في لبنان سابقًا وجرى التحقيق فيه من قبل مديرية المخابرات و شعبة المعلومات والأمن العام بقضايا من هذا النوع حيث تمّ توقيف أشخاص بتهمة تعاملهم مع العدو بحسب الخبير العسكري العميد المتقاعد ناجي ملاعب.

.

وهنا من المهم الإشارة إلى أن طريقة التعامل مع العملاء تختلف بين دولة وأخرى كسوريا وايران والعراق ولبنان من ناحية شكل المحاسبة أو العقوبة، ليبقى القاسم المشترك بين هذه الدول بحسب ملاعب هو إنهيار العملة الوطنية. فالعملة السورية كما الإيرانية والعراقية اليوم في الحضيض، لذلك نرى أنه من الممكن استغلال الوضع الاقتصادي.

 

 

هل من حلول؟

يبدو أن تجنيد العملاء أمرًا واقعًا ضمن الحروب يجب التعامل معه، خاصة مع اسرائيل التي تُعتبر من بين الأقوى عالميًا من حيث العمل الاستخباراتي وتملك ميزانيات ضخمة لخوض حروبها. وبالتالي يجب تفعيل ما أمكن من أساليب الحماية المتوفرة.

 

فعلى المستوى الإجتماعي يجب التحلّي بالقيم بغض النظر عن القناعات السياسيّة المختلفة ومهما كانت الصعوبات المعيشية. وهذا ما يشدد عليه الخبير في علم الاجتماع الدكتور بسّام الهاشم بالقول إن مسألة العمالة والتعاون مع العدو الاسرائيلي تعود إلى أساس التربية وترسيخ مفهوم المواطنة، وهذا يحتاج أيضًا إلى وجود أُطر اجتماعية من خلال البيئة التي تحيط بكل فرد.

 

وعلى المستوى التقني، يرى الخبير في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات عامر الطبش أنّ الإجراءات التي يجب أن تُتّخذ بموضوع الرسائل التي تصل على الواتساب أو عن طريق وسائل التواصل الإجتماعي هي التوعية من قبل الدولة اللبنانية والمؤسسات المعنية بهذا الموضوع، وأن يُشرح للمواطن عن خطورة هذه الرسائل والعواقب التي يمكن أن يتلقاها في حال تماشى مع الموضوع. 

 

ويضيف الطبش أن "الدولة اللبنانية مسؤولة ولكنها لا تُعير هذا الموضوع اهتمامًا كما يجب، وليس لديها قدرات تقنية، لكنها قادرة من خلال أجهزتها الأمنية لاسيما شعبة المعلومات، ومكتب مكافحة جرائم المعلوماتية أن ترفع تحقيق للقضاء الذي بدوره يُراسل الشركات المعنية ويحثهم على إيقاف هذه الرسائل وملاحقتها أو كشف مصدرها. ويختم الطبش بنصيحة يوجهها للبنانيين أن يقوموا بواجبهم، وأن يحمي كل مواطن نفسه ويحظر هذه الرسائل، وأن لا ينجرّ وراء الأرقام الهائلة للأموال التي تُطرح عليه لجذب انتباهه". 

 

يُنشر هذا التقرير في إطار البرنامج التدريبي حول "أسس ومبادئ التغطية الإعلامية لقضايا الأمن في لبنان" الذي نظمّته مؤسسة "مهارات" بدعم من مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن "DCAF". هذا المحتوى لا يعكس بالضرورة آراء مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن. وقد تم نشر التقرير أيضًا على موقع The Cradle Arabic.