Loading...
false

غير صحيح

قانون السرية المصرفية
هل يمكن تطبيق قانون السرية المصرفية من دون صدور مراسيمه التطبيقية؟
28/11/2025

يشكّل تطبيق قانون السرية المصرفية أحد المفاتيح الأساسية لأي إصلاح مالي جدي في لبنان، لكن الواقع يُظهر أن هذا القانون ما زال عالقًا بين النصّ والتطبيق. فعلى الرغم من صدور قانون السرية المصرفية المعدَّل، يبقى تطبيقه العملي معطّلًا نتيجة غياب المراسيم التطبيقية التي يفترض أن تحدّد آليات رفع السرية وتبادل المعلومات بين الجهات المعنية.

 

هذا التعطيل، كما يشير الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان عبر حسابه على "إكس"، يسمح لبعض الجهات الرقابية بتبرير عدم قدرتها على ممارسة صلاحياتها الكاملة، لا بسبب غياب الإرادة، بل لعدم توفر الأطر الإجرائية التي تنظّم مسارات الوصول إلى البيانات المصرفية ونطاق رفع السرية.

 

ولكن هل يمكن تطبيق قانون السرية المصرفية من دون صدور مراسيمه التطبيقية؟

 

ساهمت السرية المصرفية المشددة التي اعتمدها لبنان لعقود، في جذب الودائع وازدهار القطاع المصرفي. لكن عقب الأزمة، طالبت أطراف عدة بتخفيفها في ظلّ شبهات بأن أصحاب مصارف ونافذين استغلوها للتغطية على فساد وتبييض أموال، أو تهريبها الى الخارج في وقت كانت المصارف تقيّد سحب الودائع.

 

وكان مجلس النواب أقرّ تعديلات على قانون السرية المصرفية عام 2022، اعتبرها صندوق النقد غير كافية، إذ لم تسمح للهيئات الناظمة برفع السرية عن حسابات مشبوهة أو أسماء أصحابها. لكن الحكومة الجديدة برئاسة نواف سلام، تعهدت التعاون مع المؤسسات الدولية، وأقرت في نيسان/أبريل تعديل القانون.

 

ما هي أبرز هذه التعديلات؟

أقرّ مجلس الوزراء اللبناني في نيسان/أبريل 2025، مشروع قانون لتعديل المادة 7 (هـ) و(و) من قانون السرية المصرفية لعام 1956، لتجيز بحسب التعديل لكل من مصرف لبنان ولجنة الرقـابـة عـلـى الـمـصـارف و الـمـؤسـسـة الوطنية لضمان الودائع، بهدف إعادة هيكلة القطاع المصرفي وممارسة الرقابة عليه، أن تطلب معلومات محمية بالسرية المصرفية، من دون تحديد حساب معين أو عميل معين، بما في ذلك إصدار طلب عام بإعطاء معلومات عن جميع الحسابات والعملاء من دون أسمائهم. 

 

وتبقى هذه الطـلبـات قابلة للاعتراض أمام قاضي الأمور المستعجلة من الأشخاص الطبيعيين والمعنويين المعنيين بها، ويكون الاعتراض خاضعًا للأصول المقررة في شأن الأوامر على العرائض. 

 

على أن تُحدَّد الـمعايير والضوابط التطبيقية بموجب مراسيم تتخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير المال. فضلاً عما نصت عليه هذه المادة من منع المصارف من أن تتذرع بسر المهنة أو بسرية المصارف، وعليها أن تقدم جميع المعلومات المطلوبة فور تلقيها طلبًا من القضاء في الدعاوى المتعلقة بجرائم الـفـسـاد والجرائم الواقعة على الأموال، ومن هيئة التحقيق الخاصة والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد والإدارة الضريبية.

 

في هذا الإطار، يشرح الأستاذ المُحاضر في قانون الضرائب والمالية العامة، الدكتور كريم ضاهر في حديثٍ لـ "مهارات نيوز"، أن تطبيق قانون السرية المصرفية في لبنان يرتبط بشقين رئيسيين: الشق الأول يخص وزارة المالية، والثاني يتعلق بالسلطة الناظمة، أي مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع.

 

وفق ضاهر، كانت صلاحيات مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع مقيدة بالقانون رقم 306 (تعديل بعض مواد القانون الصادر بتاريخ  1956 المتعلّق بسرية المصارف)، الذي كان يشترط صدور مرسوم لتحديد آليات رفع السرية وتبادل المعلومات. 

 

ولأن صندوق النقد الدولي لاحظ أن لجنة الرقابة لم تتمكن من ممارسة مهامها كاملة بسبب ربط القانون بالمرسوم، فيما لم تصدر حكومة نجيب ميقاتي المرسوم المعني. جاء القانون رقم 1/2025 (المعدّل) لتسهيل عمل هذه الجهات، بحيث أصبح بإمكانها رفع السرية المصرفية دون انتظار أي مرسوم أو قرار لاحق. وقد ألغى النواب الربط بالمرسوم، مع الإبقاء على عبارة "عند الاقتضاء يصدر قرار"، ما يعني عمليًا أن القانون نافذ وأن أي تأخير في رفع السرية يقع على عاتق لجنة الرقابة نفسها.

 

وبالتالي يعتبر ضاهر، أن بعض الجهات الرقابية تتذرع بعدم قدرتها على ممارسة صلاحياتها الكاملة، مستندةً إلى غياب المرسوم، "وهذه حجج واهية"، إذ إن الهدف من القانون 1/2025 كان توسيع صلاحيات لجنة الرقابة ومصرف لبنان ومؤسسة ضمان الودائع، وتمكينها من رفع السرية المصرفية دون أي عوائق.

 

من جهته، يقول الخبير في الشؤون الإقتصادية زياد ناصر الدين، في حديثٍ لـ "مهارات نيوز"، إن البعد القانوني ينص على أن أي قانون يصبح نافذًا بمجرد نشره في الجريدة الرسمية، بينما تحدد المراسيم التطبيقية تفاصيل تطبيقه، مثل من يطبّق القانون، وآليات التنفيذ، والموارد المستخدمة في ذلك.

 

ويضيف ناصر الدين أن موضوع السرية المصرفية اليوم مرتبط بهيئات قضائية وإدارية تُحدّد شكل وطبيعة تطبيق المراسيم. لكنه يشدد على أن غياب المراسيم ليس مبررًا قانونيًا لعدم تنفيذ القانون إذا كان نصه واضحًا وكافيًا للتطبيق، فالقانون أصبح نافذًا بعد إقراره في المجلس النيابي، ويشكل واقعًا قانونيًا قائمًا.

 

وفي السياق، يوضح ضاهر بالنسبة لاصدار مراسيم تطبيقية عندما تلزم الحاجة، تقع مسؤولية التأخير بذلك بالتدرج: أولًا على وزير المالية إذا لم يقدّم اقتراح المرسوم لمجلس الوزراء، ثانيًا على الأمين العام أو رئيس مجلس الوزراء إذا لم يُدرج المرسوم على جدول الأعمال، وثالثًا على مجلس الوزراء نفسه إذا رفض مناقشته رغم توافره على جدول الأعمال.

 

ويخلص ضاهر إلى أن القانون نافذ منذ نشره في الجريدة الرسمية، وأي تقصير في تطبيقه يعود مباشرة إلى الجهات المكلفة، سواء على مستوى اللجنة أو وزارة المالية أو مجلس الوزراء، بحسب كل حالة على حدة.

 

إذًا، الإشكالية غير صحيحة، ويعتبر قانون السرية المصرفية بتعديلاته نافذا منذ صدوره في الجريدة الرسمية.