Loading...

الخط الساخن 1745: حماية النساء من العنف الأسري وتحديات الاستجابة

 

في لبنان، تتعرض آلاف النساء سنويًا للعنف داخل منازلهن، بينما يُفترض أن يكون مساحة أمان. لكن الخوف من الفضيحة، والضغط الاجتماعي، والتبعية الاقتصادية، وبطء الإجراءات القضائية، يجعل قرار التبليغ محفوفًا بالمخاطر.

 

أطلق الخط الساخن 1745 في 2018 كرقم مخصص لتلقي بلاغات العنف الأسري والتدخل السريع، لكنه يثير سؤالًا جوهريًا: هل يشكّل الخط أداة حماية فعلية ومستدامة للنساء، أم مجرد نقطة اتصال أولى في مسار طويل ومعقّد قد ينتهي بسحب الشكوى أو العودة إلى العنف؟

 

على مدار السنوات، لعب الخط دورًا مهمًا في تحفيز النساء على التحدث عما يتعرضن له من عنف، لكنه يظل مرتبطًا بقدرة المؤسسة الأمنية على التحرك بسرعة، وبالقدرة القضائية على متابعة البلاغات، إضافة إلى البيئة الاجتماعية والثقافية والتبعية المالية المحيطة بالمرأة.

 

آلية التدخل وتدريب العناصر

بحسب العميد جوزيف مسلّم، رئيس شعبة العلاقات العامة في قوى الأمن الداخلي، جاء إنشاء الخط لمعالجة نقص القنوات المتخصصة سابقًا. ويقول: "رغم وجود أرقام طوارئ مثل 112 و1744، لم يكن هناك رقم يركّز على العنف الأسري. لذلك أنشأنا خطًا خاصًا يوفر شعورًا أكبر بالأمان للضحايا."

 

وأوضح مسلّم في مقابلة لـ"مهارات نيوز" أن العناصر الأمنية تلقوا تدريبًا خاصًا على الاستماع للضحايا، وتقييم مستوى الخطر، والتعامل مع الحالات الحساسة من دون إصدار أحكام مسبقة، مع احترام صارم للسرية. وأكد أن مشاركة العناصر النسائية كانت خيارًا أساسيًا منذ البداية، خصوصًا أن النساء يشعرن براحة أكبر عند التحدث مع امرأة في حالات العنف الجسدي أو الجنسي.

 

كما يشمل التدريب أساليب التعامل مع الشهود، سواء كانوا أفرادًا من العائلة أو جيرانًا، الذين غالبًا ما يطلبون عدم الكشف عن هويتهم. ويضيف مسلّم أن التدريب المستمر يسهم في رفع كفاءة الخط وجعل الاستجابة أكثر حساسية وفهمًا للضحية.

 

 

وبحسب المعلومات التي زّودت بها قوى الأمن الداخلي مؤسسة مهارات نيوز استجابةً لطلب معلومات تقدّمت به مؤسسة مهارات، تُظهر البيانات ارتفاع عدد الشكاوى الواردة إلى الخط الساخن 1745 بين عامي 2024 و2025، في مؤشر إلى تزايد اللجوء إلى هذه الآلية. فقد ارتفع عدد البلاغات من 774 حالة عام 2024 إلى 886 حالة عام 2025، أي بزيادة قدرها 112 حالة ونسبة نمو بلغت 14.5%. ولا تعني هذه الزيادة بالضرورة ارتفاع معدلات العنف بقدر ما تعكس تزايد الثقة بالخط الساخن ونجاح حملات التوعية في تشجيع النساء على طلب المساعدة والإبلاغ.

 

من الإتصال إلى التدخل

يشرح العميد مسلّم أن "الخط لا يقتصر على تلقي المكالمات، بل يشمل متابعة مستمرة مع المخافر والشرطة القضائية، والتواصل مع الضحية لاحقًا، خصوصًا في الحالات التي تتراجع فيها الضحية عن تقديم شكوى." ويقول: "نراقب إذا ما تراجعت المرأة عن شكواها، ونتحقق من أسباب التراجع، سواء كانت ضغوطًا عائلية أو اجتماعية أو اقتصادية. نقول لها دائمًا: لا تخافي، نحن معك ولن نتركك".

 

الخط يعتمد على نوع البلاغ وتوقيته. فإذا كانت المرأة قادرة على مغادرة المنزل يتم تُوجَّهيهها إلى المخفر المختص ضمن نطاق سكنها، أما إذا كانت حياتها مهددة أو غير قادرة على المغادرة، فتُرسل دورية مباشرة إلى المكان. وتتابع قوى الأمن الداخلي الحالة لضمان عدم تعرض الضحية لأي ضغط أو تهديد أثناء العملية القضائية.

 

بالإضافة إلى ذلك، يوضح العميد مسلّم أن "الخط يتابع الحالات بعد تقديم البلاغ، خصوصًا إذا قررت الضحية سحب الشكوى. ويضيف: "هدفنا الأساسي هو ضمان أن القرار نابع من إرادتها الحرة، وليس نتيجة ضغط خارجي. حماية المرأة تبدأ بالاستماع إليها واحترام قرارها".

 

فعالية الخط والتحديات

ترى المديرة التنفيذية للهيئة الوطنية اللبنانية لشؤون المرأة ميشلين الياس مسعد في حديث لـ"مهارات نيوز"، أن "الخط الساخن المخصص لتلقي شكاوى العنف الأسري التابع لقوى الأمن الداخلي يعتبر خطوة إيجابية وأساسية في مجال مناهضة العنف ضد النساء والفتيات، إذ يسهل التدخل الفوري والسريع لقوى الأمن عند وقوع حالة عنف، حيث تعالج الشكاوى بسرية تامة. كما يتيح للضحية، لأقربائها أو لأي شاهد التبليغ عن حالة عنف عند وقوعها. وتوضح أن ارتفاع عدد الشكاوى لا يعني بالضرورة زيادة في العنف، بل يعكس نجاح حملات التوعية التي شجعت النساء على التحدث وطلب المساعدة".

 

لكن مسعد تشير إلى أن "التحديات لا تزال كبيرة، وتشمل نقص الموارد، والتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه النساء". وتضيف: "الاعتماد الاقتصادي على المعتدي وعدم توفر البدائل السكنية أو فرص العمل يجبر العديد من النساء على سحب الشكاوى على الرغم من علمهن بحقوقهن". 

 

 

وتعكس طبيعة البلاغات المسجّلة خلال عام 2025 أشكال العنف الأكثر حضورًا في الشكاوى. إذ يتصدر العنف الجسدي القائمة بـ755 حالة، يليه العنف اللفظي بـ83 حالة ثم العنف المعنوي بـ41 حالة، فيما سُجّلت 6 حالات عنف جنسي وحالة واحدة من العنف الاقتصادي. ويشير هذا التوزيع إلى أن بعض أشكال العنف قد تكون أقل تبليغًا رغم وجودها، ما يسلّط الضوء على استمرار تحديات الكشف والإبلاغ المرتبطة بالوصمة والخوف.

 

وتشدد مسعد على أن "حماية النساء هي مسؤولية مشتركة بين مختلف الوزارات والإدارات المعنية ولا يمكن أن تقتصر على قوى الأمن الداخلي وحدها". كذلك في الإطار المدرسي، يكشف المعلمون والمعلمات تعرض بعض التلامذة إلى عنف وقد تكون حاصلة داخل المدرسة أو في المنزل، فتتعاون بذلك وزارة التربية والتعليم العالي مع القوى الأمنية ومع الوزارات المعنية منها وزارة العدل، ووزارة الشؤون الاجتماعية، ووزارة الصحة لمعالجة الحالات.

 

العدالة والقيود القضائية

أما في ما يخصّ الآلية التي تسلكها الشكاوى لتحقيق العدالة للمتعرّضات للعنف، تشرح المحامية والشريكة المؤسسة في منظمة "كفى"، ليلى عواضة لـ"مهارات نيوز" أن "القضاء يظل الحلقة الأضعف في حماية النساء، إذ إنّ بطء الإجراءات وعدم تحديث القوانين المرعية يجعل النساء عرضة لضغوط سحب الشكاوى، وغالبًا ما تُحفَظ القضايا قبل الوصول إلى المحاكمة. في كثير من الحالات، يظل المعنّف طليقًا، ما يزيد الضغط على الضحية ويجعلها تفكر مرتين قبل الإبلاغ".

 

كما تشير عواضة إلى أن "قوانين الأحوال الشخصية، التي تختلف بين الطوائف، غالبًا ما تُستخدم ضد النساء في مسائل الطلاق وحضانة الأطفال، حيث يتحوّل الأطفال إلى أداة ضغط". وتضيف: "القرار بالتبليغ مرتبط بدرجة كبيرة بمدى حماية القانون للمرأة وقدرتها على الاستقلال الاقتصادي، كما أن العوامل الاجتماعية والثقافية تؤثر على القرار، بما في ذلك الخوف من "هدم الأسرة"، أو الوصمة الاجتماعية، أو احتمال مواجهة الانتقام من العائلة أو الزوج". 

 

 

كما تكشف البيانات هوية المعتدين في البلاغات المسجّلة، ما يعكس الطبيعة الأسرية للعنف الذي تتعرض له النساء. إذ يتصدر الزوج لائحة المعتدين بـ469 حالة، يليه الأب بـ128 حالة ثم الشقيق بـ70 حالة، إضافة إلى حالات مرتبطة بالطليق والابن والأقارب والخطيب وغيرهم. ويبرز هذا التوزيع أن العنف لا يقتصر على علاقة واحدة بل يمتد إلى دوائر عائلية متعددة، وهو ما يفسّر تعقيد قرار الإبلاغ والضغوط التي قد تواجهها النساء داخل محيطهن الأسري.

 

الالتزام الدولي وحماية المرأة: قرار مجلس الأمن 1325

يلعب قرار مجلس الأمن الدولي 1325، الصادر في عام 2000، دورًا أساسيًا في تحديد التزامات الدول لحماية النساء في أوقات النزاع وتعزيز مشاركتهن في صناعة السلام واتخاذ القرار. يشمل القرار أربعة محاور رئيسية: الحماية، المشاركة، الوقاية، والإغاثة-التعافي، ويحث الدول على وضع خطط وطنية لتطبيقه.

 

في لبنان، تُشرف الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية على تطوير خطة العمل الوطنية لتنفيذ القرار، بالتنسيق مع مختلف المؤسسات، بما فيها قوى الأمن الداخلي. وتوضح مسعد: "اختتمنا خطة العمل الوطنية الأولى لتطبيق قرار مجلس الأمن حول المرأة والسلام والأمن وأعدنا الخطة الثانية التي تتضمن خمس أولويات:

 

- الأولوية الأولى: تعزيز مشاركة المرأة في القيادة

- الأولوية الثانية: حماية النساء والفتيات من جميع أشكال العنف في النزاعات والأزمات

- الأولوية الثالثة: نشر ثقافة السلام والوقاية من النزاعات

- الأولوية الرابعة: استجابة شاملة من منظور المساواة بين الجنسين في عمليات الإغاثة وإعادة الإعمار

- الأولوية الخامسة: تطوير وتعزيز القدرات المؤسساتية لضمان التنسيق والتنفيذ الفعَّال للخطة الوطنية الثانية لتطبيق القرار 1325". 

 

وتشير مسعد إلى أن "الخط الساخن 1745 هو جزء من تنفيذ هذه الخطة على الأرض، إذ يسهم في حماية النساء من العنف الأسري، ويعزز متابعة الشكاوى باحتراف وسرية تامة". كما وتؤكد على أن "الهيئة تتابع بشكل مستمر أي تطورات تشريعية أو قرارات جديدة تتعلق بحقوق المرأة والعنف الأسري، لضمان التزام لبنان الكامل بالمعايير الدولية". 

 

وفي هذا الإطار نوّهت مسعد إلى أن "اللجنة تراقب بشكل مستمر أي تطورات تشريعية أو قرارات جديدة تتعلق بحقوق المرأة والعنف الأسري، لضمان التزام لبنان الكامل بالمعايير الدولية. ويعتبر الخط الساخن أحد النماذج العملية لهذه التزامات، حيث يُظهر كيف يمكن دمج الحماية المباشرة للنساء مع التزامات الدولة على المستوى الوطني والدولي". 

 

بين الأمل والواقع

الخط الساخن 1745 يشكل خطوة مهمة نحو تمكين النساء وحمايتهن، لكنه جزء من منظومة أوسع تتداخل فيها العدالة والقانون والاقتصاد والثقافة. ويؤكد العميد مسلّم أن الإجراءات متوافقة مع القوانين اللبنانية والاتفاقيات الدولية، بما فيها قرار مجلس الأمن 1325، لكن فعالية الحماية تتطلب تعاون القضاء، واستجابة أسرع، ودعم اقتصادي للنساء.

 

وتقول مسعد: "الخط الساخن أساسي، لكنه ليس كافيًا وحده. فحماية المرأة تحتاج إلى تعزيز سبل وصول النساء إلى العدالة ، واستقلالية اقتصادية تمكنها من اتخاذ قرار التبليغ بدون خوف".

 

لهذا، يشكّل الخط الساخن 1745 نافذة حماية أساسية في مواجهة العنف الأسري، لكنه يواجه قيودًا حقيقية سواء على مستوى المجتمع أو القانون أو الموارد الأمنية، مما يضع المسؤولية على الجميع: الدولة، المجتمع المدني، الأسرة، والقوانين نفسها لضمان أن المكالمة الأولى لا تكون فقط مجرد بداية، بل سلسلة إجراءات فعالة تقود نحو حياة آمنة وعدالة حقيقية.

TAG : ,قوى الأمن ,خط ساخن ,عنف ,عنف أسري ,حماية ,حماية المرأة