Loading...
halftrue

صحيح جزئياً

Doc P 1477018 639056658325667935
هل عادت القروض المصرفية فعليًا إلى السوق اللبنانية بفوائد تصل إلى 12%، وقد تسهم في ارتفاع الأسعار والتضخم؟
18/06/2026

يتجدّد النقاش حول القطاع المصرفي في لبنان مع تزايد الحديث في الآونة الأخيرة عن عودة القروض المصرفية إلى السوق المحلية بعد سنوات من التراجع شبه الكامل في عمليات الإقراض، ما يثير تساؤلات حول انعكاسات هذه الخطوة على الاقتصاد والأسعار. 

 

فبينما يُنظر إلى استئناف منح القروض باعتباره مؤشرًا على تنشيط الحركة الاقتصادية وتوفير التمويل للأفراد والمؤسسات، يرى الخبير الاقتصادي منير يونس في منشور عبر منصة "إكس"، أن الفوائد المرتفعة التي قد تصل إلى نحو 12% تشكل كلفة إضافية على الشركات والتجار، ما قد يدفعهم إلى تحميل جزء من هذه الكلفة على أسعار السلع والخدمات. وبحسب هذا الطرح، فإن عودة الإقراض بهذه المعدلات قد تسهم في زيادة الضغوط التضخمية وارتفاع كلفة المعيشة. 

 

فهل عادت القروض المصرفية فعليًا إلى السوق اللبنانية بفوائد تصل إلى 12%، وقد تسهم في ارتفاع الأسعار والتضخم؟ 

بعد نحو خمسة أعوام من الجمود المصرفي والانكماش الاقتصادي في لبنان، وفي ظلّ استمرار الأزمة المالية وتعثّر مسار الإصلاحات المرتبطة بالقطاع المصرفي ومعالجة الودائع والخسائر، يتجدّد الحديث عن عودة منح القروض، في خطوة تثير تساؤلات حول هذا التوجه وانعكاساته المحتملة على الاقتصاد، ولا سيما أنها تأتي في وقت لم تُستكمل فيه بعد الإصلاحات البنيوية المطلوبة لإعادة هيكلة القطاع المصرفي واستعادة الثقة به. 

 

وفي ظلّ هذا الواقع، يوضح الكاتب والخبير الاقتصادي أنطوان فرح، في حديثٍ لـ"مهارات نيوز"، أن الحديث عن عودة القروض المصرفية إلى السوق اللبنانية لا يعكس، في رأيه، عودة فعلية وشاملة لعمليات التسليف. فما يحصل اليوم يقتصر على مبادرات محدودة تقوم بها بعض المصارف لصالح عدد ضيّق من الزبائن، سواء كانوا أفرادًا أو شركات، في حين أن غالبية المصارف لا تزال خارج سوق الإقراض.

 

ويشير إلى أن المصارف التي استأنفت منح القروض لم تعد إلى مستويات التسليف التي كانت قائمة قبل الأزمة المالية، ولا حتى إلى مستويات قريبة منها، إذ أن حجم القروض الممنوحة لا يزال متواضعًا ومحصورًا بفئات محددة من العملاء الذين يتمتعون بملاءة مالية أو بعلاقات مصرفية مستقرة تسمح للمصارف باعتبارهم أقل عرضة للمخاطر.

 

ويضيف أن بعض المصارف تمتلك سيولة محدودة تسعى إلى توظيفها من خلال منح قروض لزبائن موثوقين، ولا سيما للشركات القادرة على إثبات قدرتها على السداد. ويهدف هذا التوجه، بحسب فرح، إلى تحقيق عوائد من الفوائد من جهة، وتسهيل استمرار أعمال هذه المؤسسات والأفراد من جهة أخرى.

 

ويرى أن هذه القروض، رغم أهميتها بالنسبة للمستفيدين منها، لا تملك القدرة على تحريك الأسواق أو تنشيط الاقتصاد على نطاق واسع، بل هي أشبه بـ"جرعة أوكسيجين" تساعد بعض المؤسسات والأفراد على الصمود والاستمرار في ظلّ الظروف الاقتصادية الراهنة.

 

ويؤكد فرح أن العودة الطبيعية للتسليف المصرفي تتطلب عودة الاقتصاد إلى مساره الطبيعي، بحيث تتمكن مختلف القطاعات الاقتصادية، الصناعية والتجارية والخدماتية، من الحصول على التمويل المصرفي بصورة منتظمة، وهو ما يشكّل أحد مقومات النمو الاقتصادي والاستثمار. 

 

ويتفق الخبير الاقتصادي نسيب غبريل مع ما أورده فرح، إذ يعتبر أن عودة القروض المصرفية إلى السوق اللبنانية لا تزال محدودة للغاية وتتم بوتيرة حذرة. ويعزو ذلك إلى التجربة التي شهدها القطاع المصرفي مع بداية الأزمة المالية، حين تمكن عدد من المقترضين، بمن فيهم شركات مدينة بمبالغ كبيرة، من تسديد قروضهم بوسائل مختلفة، سواء عبر الحسابات المصرفية أو الشيكات المصرفية المشتراة بأقل من قيمتها الفعلية أو بالليرة اللبنانية، الأمر الذي دفع المصارف إلى اعتماد معايير أكثر تشددًا في منح القروض.

 

ويشير غبريل في حديثٍ لـ"مهارات نيوز"، إلى أن المصارف تركز حاليًا على إقراض الشركات والأفراد القادرين على إثبات قدرتهم على السداد، ولا سيما الجهات التي تمتلك مصادر دخل بالعملات الأجنبية. كما يلفت إلى أن المصارف طالبت منذ بداية الأزمة بإقرار إطار قانوني أو تنظيمي يضمن سداد القروض بالعملة التي اقترضت بها، إلا أن هذه المطالب لم تُترجم حتى الآن إلى إجراءات ملزمة، ما يفسّر استمرار الحذر في عمليات التسليف.

 

وبحسب غبريل، تُظهر أرقام مصرف لبنان أن حجم التسليفات لا يزال متواضعًا، إذ بلغت القروض المصرفية بالدولار "الفريش" نحو 816 مليون دولار في نهاية تشرين الثاني 2025، و 794 مليون دولار في نهاية عام 2025. وتذهب الحصة الأكبر من هذه القروض إلى الشركات، فيما يُخصّص جزء منها لقروض التجزئة، مثل القروض الشخصية وقروض السيارات، خصوصًا للموظفين الذين تُحوّل رواتبهم إلى المصارف المانحة.

 

من جهتها، تقول مسؤولة قسم الاقتصاد في المدن، الصحافية عزة الحاج حسن، في حديثٍ لـ"مهارات نيوز"، إن القروض عادت إلى السوق اللبنانية بشكل محدود وخجول، ولم تستعد بعد زخمها السابق. وتوضح أن الإقراض يتركز حاليًا على القروض الشخصية وقروض السيارات، فيما بدأت بعض المصارف بتقديم قروض أكبر للمؤسسات التجارية والصناعية، ولكن بشروط مشددة وفوائد مرتفعة.

 

وتشرح الحاج حسن أن انعكاس هذه الفوائد على الأسعار يُعد أمرًا طبيعيًا من الناحية الاقتصادية، وتشير إلى أنه إذا حصلت مؤسسة تجارية على قرض بفائدة مرتفعة قد تصل إلى 12%، فإنها ستحتسب كلفة التمويل ضمن كلفة الإنتاج والتشغيل، ما يدفعها إلى تسعير منتجاتها وخدماتها على أساس هذه الأعباء الإضافية. ونتيجة لذلك، ينتقل جزء من كلفة القرض إلى المستهلك النهائي من خلال ارتفاع الأسعار.

 

وترى أن الفوائد المرتفعة يتحملها المستهلك بصورة غير مباشرة، الأمر الذي ينعكس على قدرته الشرائية ومستوى معيشته، وقد يسهم في زيادة الضغوط التضخمية، باعتبار أن العلاقة بين كلفة التمويل والأسعار مترابطة ومتسلسلة.

 

في المقابل، تشير الحاج حسن إلى أن لعودة القروض جانبًا إيجابيًا يتمثل في تحفيز الشركات والمؤسسات على الإنتاج والاستثمار، بما يسهم في تحريك الدورة الاقتصادية إلى حدّ ما. إلا أنها تؤكد أن تقييم هذه الخطوة بصورة دقيقة يتطلب النظر إلى مجموعة من العوامل، أبرزها حجم القروض الممنوحة، ومستوى الفوائد المفروضة عليها، والجهات المستفيدة منها، معتبرةً أن الحكم على آثارها الإيجابية أو السلبية يبقى مرتبطًا بالأرقام والمعطيات الفعلية.

 

ويفيد مصدر في بنك عودة بأن المصرف يقدّم حاليًا قروضًا شخصية تصل قيمتها إلى نحو 10 آلاف دولار، بفائدة تبلغ 15%، ويلفت أن الكلفة الإجمالية للقرض قد ترتفع إلى نحو 17.5% سنويًا بعد احتساب الرسوم والمصاريف المختلفة.

 

ما الذي يحدد مستويات الفائدة في لبنان؟ 

لفهم مدى واقعية الحديث عن فوائد تصل إلى 12%، لا بدّ من التوقف عند العوامل التي تتحكم بتسعير القروض في لبنان والظروف الاقتصادية والمالية التي تؤثر فيها. 

إذ يوضح غبريل، أن البيانات الرسمية الصادرة عن مصرف لبنان تشير إلى أن متوسط الفائدة على التسليفات للقطاع الخاص بالليرة اللبنانية بلغ 8.4% في نيسان 2026، في حين بلغ متوسط الفائدة على التسليفات بالدولار الأميركي 4.1%. ويؤكد أن هذه الأرقام تعكس المعدلات الوسطية الرسمية، بينما تختلف الفوائد الفعلية تبعًا لنوع القرض وقيمته والجهة المقترضة، مشيرًا إلى أن الفوائد على القروض بالليرة اللبنانية تكون بطبيعة الحال أعلى من تلك المطبقة على القروض بالدولار.

 

ويرى غبريل أن الربط المباشر بين الفوائد المصرفية وارتفاع الأسعار يحتاج إلى مقاربة أوسع، إذ أن احتساب كلفة التمويل ضمن النفقات التشغيلية للشركات أمر طبيعي ومعمول به في مختلف اقتصادات العالم. والشركات تُدرج الفوائد ضمن هيكل التكاليف إلى جانب الرواتب وأكلاف الطاقة والإيجارات وسائر المصاريف التشغيلية، كما أن التمويل المصرفي يبقى أحد الخيارات المتاحة أمام الشركات إلى جانب بدائل أخرى، مثل إصدار الأسهم أو السندات أو استقطاب استثمارات جديدة، وهي خيارات تنطوي بدورها على أكلاف والتزامات مالية.

 

وفي ما يتعلق بالتضخم، يُقرّ غبريل بأن ارتفاع كلفة الاقتراض قد ينعكس على بعض الأكلاف الاقتصادية، لكنه يعتبر أن تحميل الفوائد المصرفية مسؤولية التضخم في لبنان لا يستند إلى معطيات دقيقة. فبحسب رأيه، يرتبط التضخم في لبنان بمجموعة واسعة من العوامل، من بينها التضخم العالمي، وضعف الرقابة على الأسواق، والاحتكار، وتقلبات سعر الصرف، إضافة إلى عوامل داخلية وخارجية أخرى.

 

ويستشهد غبريل بمسار التضخم خلال السنوات الماضية، ويشير إلى أن المصارف توقفت عمليًا عن التسليف منذ أواخر عام 2019، ورغم ذلك سجّل لبنان معدلات تضخم مرتفعة جدًا. فقد بلغ معدل التضخم نحو 221% عام 2023 و 45% عام 2024 و15% عام 2025، فيما وصل إلى 17% في نيسان 2026. وبالتالي فإن هذه الأرقام بحسب غبريل، تدل على أن ارتفاع الأسعار في لبنان يرتبط بصورة أساسية بعوامل أخرى، وفي مقدمتها تدهور سعر الصرف والاختلالات في الأسواق، أكثر مما يرتبط بحجم القروض الحالية أو بمستويات الفوائد المطبقة عليها.

 

وبينما يركز غبريل على محدودية تأثير الفوائد المصرفية في معدلات التضخم مقارنة بعوامل اقتصادية أخرى، يشرح الخبير الاقتصادي أنطوان فرح العوامل التي تفسّر ارتفاع أسعار الفائدة على القروض في لبنان في المرحلة الحالية. 

ويوضح أن تحديد أسعار الفائدة يستند عادة إلى مجموعة من العوامل الأساسية، أبرزها سعر الفائدة المرجعي الذي يحدده الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بالنسبة للقروض بالدولار، والتصنيف الائتماني للدولة التي تُمنح فيها القروض، إضافة إلى مستوى المنافسة بين المصارف.

 

ويلفت إلى أن أسعار الفائدة المرجعية على الدولار لا تزال مرتفعة نسبيًا، ما ينعكس تلقائيًا على كلفة القروض. كما أن تصنيف لبنان كدولة متعثرة ماليًا، إلى جانب محدودية الجهات التي تمنح القروض وغياب المنافسة الفعلية بين المصارف، يؤديان إلى رفع مستويات الفائدة المطلوبة على التسليفات.

 

ويضيف أن الحالة اللبنانية تتأثر أيضًا بعامل إضافي يتمثل في ارتفاع مستوى المخاطر القانونية والمالية المرتبطة بعمليات الإقراض، في ظلّ استمرار الضبابية بشأن بعض الأطر القانونية والتنظيمية المتعلقة بحقوق المقرضين وآليات السداد.

 

وبناءً على مجمل هذه العوامل، يعتبر فرح أن الفوائد التي تتراوح بين 10 و12% على القروض الممنوحة حاليًا تُعدّ نتيجة طبيعية للظروف المالية والاقتصادية التي يمرّ بها لبنان، أكثر مما تعكس توجهًا استثنائيًا من المصارف.

 

إذًا الإشكالية المطروحة صحيحة جزئيًا، إذ أن القروض المصرفية عادت إلى السوق اللبنانية، لكنها لا تزال محدودة وخجولة ولم تستعد بعد زخمها السابق. كما أن الفوائد التي تصل إلى 12% أو أكثر على القروض الممنوحة حاليًا تُعدّ انعكاسًا للظروف المالية والاقتصادية التي يمرّ بها لبنان، وإن ارتفاع الأسعار يرتبط بصورة أساسية بعوامل أخرى، كتدهور سعر الصرف والاختلالات في الأسواق، أكثر مما يرتبط بحجم القروض الحالية أو بمستويات الفوائد المطبقة عليها.