صحيح جزئياً
تناولت مواقع الكترونية قضية توجه لدى السلطات المالية لتسديد المساعدات المدرسية لموظفي القطاع العام على عدة دفعات وأن هذا الطرح يرتبط باعتبارات نقدية و مخاوف من تأثير ضخ مبالغ كبيرة دفعة واحدة على الكتلة النقدية والاستقرار النقدي.
يُثير هذا التوجه المرتقب في دفع التقديمات المدرسية والتي تُقدر بحسب ما تظهره موازنة 2026 بحوالي 18.5 ألف مليار ليرة على مراحل اعتراضات في أوساط المستفيدين من موظفي القطاع العام ولا سيما العسكريين الذين يعتبرون أن هذه المستحقات أصبحت حقًا مُكتسبًا بعد استكمال جميع الإجراءات القانونية ورصد الاعتمادات اللازمة لها. كما يُشكك المعترضون في المبررات النقدية المطروحة، مؤكدين أن الأموال متوافرة وأن السوق سبق أن استوعبت مستويات أعلى من السيولة من دون تسجيل اضطرابات استثنائية، فضلاً عن أن أي تأخير في الدفع قد يفاقم الأعباء المالية على المستفيدين في ظل التزاماتهم التعليمية القائمة. ويطرح هذا الأمر التساؤل حول مدى قانونية هذا الاجراء ان تم.
فهل يمكن تجزئة المساعدات المدرسية لموظفي الدولة بعد استكمال الإجراءات القانونية والإدارية؟
بداية أصدر المكتب الإعلامي في وزارة المالية بيانًا أكّد فيه أن الوزارة ماضية وبمسؤولية عالية في تلبية احتياجات كل ما يتطلبه الظرف الراهن الذي يمر به لبنان، رغم تناقص إيراداتها. وهي تعطي أولوية مطلقة إضافة الى تأمين رواتب جميع العاملين في القطاع العام والأجهزة العسكرية والأمنية كافة بصورة منتظمة، الى تلبية احتياجات هذه الأجهزة عبر تسيير صرف كل المبالغ للمعاملات الواردة منها خصوصًا كل ما يتصل بالقطاع الصحي والاغاثي والغذائي والى كل ما له صلة بهذا الشأن على المستوى العام.
مصادر وزارة المالية أوضحت لـ "مهارات نيوز" أن طرح مسألة تسديد المستحقات المدرسية على مراحل ليس جديدًا، بل جرى بحثه منذ فترة بين وزير المالية والوزارات المعنية. وأشارت إلى أن الدافع الأساسي لهذا الطرح يتمثل فقط في تجنّب ضخ مبالغ كبيرة دفعة واحدة في السوق، وما قد يترتب على ذلك من تأثيرات محتملة على الكتلة النقدية والاستقرار النقدي.
وأكدت المصادر أن الاعتمادات المرصودة متوافرة بالكامل، وجميع الإجراءات اللازمة تمت، ولا توجد أي عقبات تتعلق بتأمين الأموال أو بعملية الدفع نفسها، مشددة على أن المسألة ترتبط حصرًا بالسياسة النقدية وبالبحث عن الآلية الأنسب لتنفيذ المدفوعات بما يراعي التوازنات الاقتصادية.
وحول قانونية هذا الإجراء يشرح الأستاذ المحاضر في قانون الضرائب والمالية العامة الدّكتور كريم ضاهر لـ "مهارات نيوز" أن وجود اعتماد مرصود في الموازنة العامة للمساعدات المدرسية المخصصة للعاملين في القطاع العام، بمن فيهم العسكريين، واستكمال هذا الإنفاق لجميع المراحل القانونية المنصوص عليها في قانون المحاسبة العمومية، بدءًا من عقد النفقة مرورًا بالتصفية والصرف وصولًا إلى الدفع، يجعل هذه المستحقات حقًا مكتسبًا لأصحابها يتوجب تسديده كاملًا من دون تجزئة أو تقسيط. وأضاف أن امتناع وزارة المالية عن الوفاء بهذه المستحقات في هذه الحالة يُعدّ بمثابة تخلّف عن الدفع.
هنا توضح مصادر وزارة المالية أنه عند الحديث عن الدفع على عدّة مراحل لا يعني تقسيط مستحقات المستفيد الواحد أو تجزئتها، إذ إن ذلك غير مطروح. والمقصود هو توزيع عملية الدفع على مجموعات من المستفيدين، فعلى سبيل المثال إذا كان عدد المستفيدين 100 شخص، يمكن تقسيم عملية الدفع إلى مراحل تشمل في كل منها مجموعة من المستفيدين، على أن يتقاضى كل فرد ضمن هذه المجموعة كامل مستحقاته دون أي اقتطاع أو تقسيط.
ويستمر ضاهر بالقول إن تكريس حق المستفيدين لا يلغي ضرورة الأخذ في الاعتبار قدرة الدولة ومصرف لبنان على تأمين هذه المبالغ وتسديدها. ولفت إلى أن المادة 70 من قانون النقد والتسليف تُنيط بالمصرف المركزي مهمة المحافظة على سلامة النقد والاستقرار الاقتصادي، إلى جانب تطوير السوقين النقدية والمالية.
وأوضح أن النقاش الدائر حاليًا يتمحور حول رأيين أساسيين: الأول يرى أن ضخ هذه الأموال دفعة واحدة في السوق قد يؤدي إلى زيادة الكتلة النقدية، بما قد ينعكس سلبًا على الاستقرار الاقتصادي وقيمة العملة الوطنية. أما الرأي الثاني فيعتبر أن السوق قادرة على استيعاب هذه المبالغ من دون تداعيات جوهرية. وختم بالتشديد على ضرورة إعداد دراسة جدوى متخصصة لتقييم الأثر المحتمل لأي خيار، بما يتيح اتخاذ القرار الأنسب على أسس علمية واقتصادية سليمة.
إذًا، فالسؤال حول هل يمكن تجزئة المساعدات المدرسية لموظفي الدولة بعد استكمال الإجراءات القانونية والإدارية صحيح جزئيًا، فالبرغم من كون تجزئة المساعدات المدرسية بعد استكمال جميع المراحل القانونية المنصوص عليها في قانون المحاسبة العمومية ليست أمرًا اعتياديًا. إلا أن هذا الإجراء قد يجد مبررًا استثنائيًا إذا تبين أن تسديد المبالغ دفعة واحدة قد يؤثر سلبًا على الكتلة النقدية. وفي هذه الحالة، يندرج التدخل ضمن صلاحيات مصرف لبنان المنصوص عليها في قانون النقد والتسليف للحفاظ على سلامة النقد والاستقرار الاقتصادي.