صحيح جزئياً
أثار قرار مجلس الوزراء الموافقة على طلب وزارة الأشغال العامة والنقل تأسيس شركة مساهمة تُسمى مؤسسة مطار بيروت الدولي جدلاً قانونيًا وإداريًا حول مستقبل إدارة مرفق حيوي يُعد من أهم المرافق العامة في لبنان. وفي حين أكدت وزارة الاشغال أن القرار المذكور يأتي تطبيقًا مباشرًا للنصوص القانونية النافذة، وبالتحديد قانون إدارة قطاع الطيران المدني رقم 481 الصادر عام 2002.
أبدى منتقدون تساؤلات حول قانونية هذا الإجراء وسط مخاوف من أن يشكّل هذا التوجه مدخلاً لخصخصة غير مباشرة أو تداخل صلاحيات الشركة الجديدة مع الهيئات القائمة لاسيما الهيئة العامة للطيران المدني التي تم تعيين رئيس وأعضاء مجلس إدارتها في تموز 2025 بعد أكثر من 20 عامًا من الانتظار.
فهل قرار مجلس الوزراء المتعلق بإنشاء «شركة مؤسسة مطار بيروت الدولي» لإدارة وتشغيل واستثمار مطار رفيق الحريري الدولي – بيروت قانوني ؟
في المواقف أوضحت وزارة الأشغال في بيانها أن المادة 14 من القانون رقم 481/2002 نصّت صراحة على إجازة الحكومة تأسيس شركة مغفلة باسم «شركة مؤسسة مطار بيروت الدولي». وأن القانون المذكور الذي نظّم قطاع الطيران المدني في لبنان، قد نصّ صراحة في أسبابه الموجبة على أن التنظيم الحديث لقطاع الطيران المدني في لبنان، أسوة بما يحصل في معظم البلدان الأجنبية، يستوجب الفصل بين شؤون التنظيم والإشراف والرقابة من جهة، وشؤون الاستثمار والتشغيل من جهة ثانية، مما يستوجب إيجاد هيئة مستقلة تتولى شؤون التنظيم والإشراف والرقابة تُسمّى «الهيئة العامة للطيران المدني»، إضافة إلى المؤسسة أو المؤسسات التي ستتولى شؤون تجهيز واستثمار المطار ومختلف العمليات المرتبطة به.
وبالتالي، فإن مهام الهيئة العامة للطيران المدني لا تتناول أبداً الاستثمار والتشغيل، إذ أولت المادة 15 من القانون رقم 481/2002 المذكور هذه المهام إلى الشركة التي تؤسسها الحكومة باسم «شركة مؤسسة مطار بيروت الدولي»، وهي شركة مغفلة لبنانية موضوعها، وفقاً للمادة 14 من القانون المذكور، توفير خدمات المطارات والملاحة الجوية والاتصالات والرصد الجوي وجميع الأعمال المتعلقة بها والمتفرعة عنها.
من جهته أصدر النائب علي حسن خليل بيانًا بشأن قرار مجلس الوزراء القاضي بإنشاء «مؤسسة مطار بيروت الدولي»، معتبرًا أن البيان الوزاري" لم يتناول جوهر الإشكاليات القانونية والإدارية والمالية المثارة حول المشروع، واكتفى بإعادة عرض أحكام القانون رقم 481/2002". وأشار خليل إلى أن" النقاش لا يدور حول مبدأ إنشاء الشركة بحد ذاته، بل حول مدى جواز تفعيل المادة 14 من القانون المذكور بعد انقضاء المهلة المحددة بسنة واحدة من تاريخ نفاذه"، متسائلاً عن" الأساس القانوني الذي استندت إليه الحكومة لتجاوز مهلة انتهت منذ العام 2003".
ورأى خليل أن "التطورات التشريعية اللاحقة، ولا سيما قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص رقم 48/2017 وتعديلاته بموجب القانون رقم 31/2026، تفرض بدورها تساؤلات حول الدراسات الاقتصادية والمالية والقانونية التي سبقت القرار، ومدى خضوع المشروع للأصول والإجراءات المستحدثة".
في القراءة القانونية
يرى الدكتور طوني مخايل، المحامي والباحث في القانون العام، أن قرار الحكومة بإنشاء "مؤسسة مطار بيروت الدولي" يستند من حيث المبدأ إلى صلاحية منصوص عليها صراحة في المادة 14 من القانون رقم 481/2002، وبالتالي لا يمكن القول إن الحكومة استحدثت صلاحية غير موجودة في القانون.
إلا أن الإشكالية القانونية الأساسية تتمثل في أن المادة نفسها أجازت للحكومة ممارسة هذه الصلاحية "خلال مهلة سنة من تاريخ وضع هذا القانون موضع التنفيذ". ورغم أن القانون ميّز بين تاريخ نفاذه وتاريخ وضعه موضع التنفيذ، فإن مراجعة أحكامه الانتقالية، ولا سيما المادة 18، تظهر أن المشترع كان يفترض استكمال المراسيم التنظيمية وإنشاء الأجهزة الجديدة خلال مهلة قصيرة تبدأ من تاريخ نشر القانون. لذلك يصعب اعتبار أن مهلة السنة بقيت معلقة لأكثر من عشرين عامًا بانتظار استكمال الإجراءات التنفيذية.
ويشير مخايل إلى أن الأخذ بتفسير مفاده أن مهلة السنة لا تبدأ إلا عندما تقرر الحكومة مباشرة تنفيذ القانون يثير إشكالية قانونية جدية، إذ لا يجوز للسلطة التنفيذية أن تستفيد من تقاعسها عن تنفيذ القانون طوال أكثر من عقدين لتجديد أو إحياء مهلة حددها المشترع. فلو اعتُبر أن "وضع القانون موضع التنفيذ" يتحقق فقط عندما تبادر الإدارة إلى اتخاذ الإجراءات التطبيقية، لأصبحت بداية المهلة القانونية خاضعة لإرادة السلطة التنفيذية نفسها، وهو ما يتعارض مع مبدأ الأمن القانوني واستقرار المراكز القانونية، ويؤدي عمليًا إلى إفراغ المهلة التي نص عليها القانون من مضمونها.
ويضيف أن المادة 14 لا تنظم عملاً إداريًا عاديًا، بل تمنح الحكومة تفويضًا استثنائيًا ومحددًا زمنيًا لإنشاء شركة عامة أو خصخصة القطاع أو تلزيم استثماره. والأصل في مثل هذه التفويضات أن تمارس ضمن الحدود الزمنية التي رسمها المشترع، وإلا فقدت المهلة أي قيمة قانونية. فلو أراد المشترع إبقاء هذه الصلاحية مفتوحة دون قيد زمني، لاكتفى بالنص على جواز تأسيس الشركة أو تلزيم القطاع من دون أن يربط ذلك بمهلة محددة. لذلك فإن وجود عبارة "خلال مهلة سنة" يشكل قرينة تشريعية مهمة على أن المشترع قصد تقييد ممارسة هذه الصلاحية بمرحلة زمنية محددة مرتبطة بإعادة هيكلة القطاع، وليس إبقاءها متاحة إلى أجل غير محدد.
ويعتبر مخايل أن تأخر السلطة التنفيذية في تطبيق القانون لا يؤدي تلقائيًا إلى تمديد المهل التي حددها المشترع أو إحيائها بعد انقضائها، ما يجعل مدى استمرار صلاحية الحكومة المنصوص عليها في المادة 14 موضع شك قانوني جدي. وفي المقابل، لا يبدو أن الاعتراض المتعلق بعدم أخذ موافقة الهيئة العامة للطيران المدني يشكل بحد ذاته سببًا كافيًا للطعن، لأن القانون لم ينص صراحة على اشتراط هذه الموافقة قبل إنشاء المؤسسة، كما أن دور الهيئة يتمثل أساسًا في التنظيم والإشراف والرقابة، في حين تتولى المؤسسة مهام التشغيل والاستثمار.
بدوره المحامي علي عباس يتوافق مع مخايل لناحية أنه في ما يتعلق بوجوب استشارة الهيئة العامة للطيران المدني قبل إنشاء الشركة، فالقانون لا يفرض مثل هذا الشرط، مشيرًا إلى أن قانون إدارة الطيران المدني قام أساسًا على الفصل بين مهام التنظيم والرقابة التي تتولاها الهيئة العامة للطيران المدني، ومهام التشغيل والاستثمار التي أوكلها إلى الشركة المزمع إنشاؤها، ضمن نموذج كان يهدف إلى إشراك القطاع الخاص في إدارة المرافق العامة من خلال الشراكة مع الدولة.
أما حول إنشاء «مؤسسة مطار بيروت الدولي» يميل عباس للمقاربة القانونية التي تعتبر ان القانون أجاز للحكومة تأسيس الشركة خلال مهلة سنة من وضع القانون موضع التنفيذ. لكن ورغم نشره في الجريدة الرسمية عام 2002، لم يدخل حيّز التنفيذ الكامل عمليًا إلا بعد تشكيل الهيئة العامة للطيران المدني في تموز الماضي، ما يفتح المجال أمام اعتبار أن المهلة القانونية لم تنقضِ بعد، وإن كانت في مراحلها الأخيرة.
وفي ملف الخصخصة، يؤكد عباس أن إثارة المخاوف في هذا الجانب أمر مفهوم، إلا أن الحكم على مدى توافق المشروع مع قوانين الخصخصة والشراكة بين القطاعين العام والخاص يبقى سابقًا لأوانه. فالقانون ينص صراحة على أن «مؤسسة مطار بيروت الدولي» شركة مملوكة بالكامل للدولة اللبنانية، فيما تخضع أي عملية إشراك للقطاع الخاص أو طرح للأسهم لأحكام وقوانين خاصة بالخصخصة والشراكة مع القطاع الخاص.
لذلك، لا يمكن الجزم بمدى توافق الشركة مع هذه القوانين قبل صدور مراسيمها والنظام الأساسي اللذين سيحددان هيكليتها ورأسمالها الفعلي وآليات عملها. وعندها فقط يصبح بالإمكان تقييم مدى انسجامها مع التشريعات النافذة، ورصد أي تجاوز محتمل للصلاحيات أو مخالفة قانونية، الأمر الذي يتيح عند الاقتضاء الطعن بالقرارات أمام مجلس شورى الدولة.
ويخلص عباس إلى أن جانبًا كبيرًا من الاعتراضات المطروحة حاليًا يحمل أبعادًا سياسية مرتبطة بالصلاحيات والنفوذ داخل المطار أكثر منها قانونية صرفة، مع إقراره في الوقت نفسه بوجود حاجة فعلية إلى تحديث التشريعات الناظمة لقطاع الطيران المدني بما يواكب التطورات التي شهدها القطاع خلال العقدين الماضيين ويحدّ من الإشكاليات التفسيرية التي تثيرها النصوص الحالية.
إذًا فالسؤال حول هل قرار مجلس الوزراء المتعلق بإنشاء «شركة مؤسسة مطار بيروت الدولي» لإدارة وتشغيل واستثمار مطار رفيق الحريري الدولي – بيروت قانوني صحيح جزئيا، فالبرغم من توافق قرار إنشاء الشركة مع قانون إدارة قطاع الطيران المدني إلا أن المأخذ القانوني الأقوى على القرار لا يتعلق بأصل صلاحية إنشاء المؤسسة، بل بمدى جواز استعمال هذه الصلاحية بعد مرور أكثر من عقدين على صدور القانون وانقضاء المرحلة الانتقالية التي رسمها المشترع لتطبيقه. لذلك يمكن القول إن قرار الإنشاء يستند إلى أساس قانوني قائم، إلا أن ممارسته بعد هذه المدة الطويلة تثير شبهة قانونية جدية تستوجب الحسم قضائيًا أو تشريعيًا.