صحيح جزئياً
عاد ملف مياومو هيئة "أوجيرو" إلى الواجهة بعد صدور القرار رقم 240/2025-2026 عن مجلس شورى الدولة، وسط تفسيرات متباينة بشأن تداعياته القانونية. وأثار القرار موجة من الجدل بعد تداول معلومات تفيد بأنه ينهي خدمات المياومين ويُلغي عمليًا مفاعيل سنوات خدمتهم، ما أثار مخاوف بين العاملين وتساؤلات حول مصير عقودهم وحقوقهم. وبين من اعتبر أن القرار يضع حدًا لعمل المياومين، ومن رأى أنه لا يتضمن أي قرار بصرفهم، يبرز سؤال أساسي: هل ينص القرار فعلًا على إنهاء خدمات مياومي "أوجيرو" ومحو سنوات عملهم، أم أن ما جرى تداوله يحمّل القرار ما لا يتضمنه؟
فهل سيؤدي القرار فعلًا إلى إنهاء خدمات مياومي أوجيرو ومحو سنوات عملهم؟
عاد قرار مجلس شورى الدولة الصادر في 29 كانون الثاني 2026، المتعلّق بملف مياومي هيئة "أوجيرو" إلى الواجهة بعد أكثر من خمسة أشهر على صدوره، مثيرًا مخاوف الموظفين من أن يُستخدم مدخلًا للمساس بوظائفهم.
إذ، أصدر مجلس شورى الدولة في 2 تموز 2026، قرارًا مفصليًا تحت الرقم 240/2025-2026 تاريخ 29/1/2026، نقض بموجبه جزئيًا قرار ديوان المحاسبة رقم 61/ر.ق. نهائي تاريخ 21/12/2021، المتعلق بملف التوظيف في "أوجيرو"، وأخذ بجميع أسباب المراجعة التمييزية المقدمة من المدعي العام لدى ديوان المحاسبة القاضي فوزي خميس دفعة واحدة. ورفض مجلس الشورى في قراره "الضغط الوظيفي" و"زيادة عدد المشتركين" لتبرير توظيف 500 حالة غير مشروعة في "أوجيرو".
وأخذ بأسباب التمييز المدلى بها من النيابة العامة وأسقط نهائيًا حجة "انقضاء مهلة الشهرين" و"الحقوق المكتسبة". ووافق النيابة العامة على أن "المعالجة للملف تكون بتطبيق حرفية المادة 86 من قانون تنظيم ديوان المحاسبة التي توجب على الغرفة المختصة الحكم بوقف صرف النفقة"، مؤكدًا أن "لا حصانة ولا تبرير لأي هدر للمال العام".
وعلى إثر ذلك، دعت نقابة موظفي وعمال هيئة "أوجيرو" إلى الإضراب، وأصدرت بيانًا جدّدت فيه مطالبتها بفتح حوار جدّي ومسؤول، يرتكز على ثلاثة مطالب أساسية:
أوّلًا: إقرار اقتراح القانون الرامي إلى تعديل المادة 49 من قانون الاتصالات وتحديث القانون المذكور بما يواكب المتغيّرات التقنية والاقتصادية والإدارية ويؤمّن إطارًا عصريًا وعادلًا يحفظ حقوق العاملين.
ثانيًا: الالتزام الكامل بالأصول والشروط القانونية التي ترعى تأسيس شركة "اتصالات لبنان" بما يضمن قيام شركة قابلة للحياة وتتمتّع بالمقوّمات القانونية والمالية والتنظيمية والتشغيلية اللازمة للاضطّلاع بالمهام المنوطة بها.
ثالثًا: الرجوع عن المرسوم الجديد المتعلّق بتنظيم وزارة الاتصالات باعتباره يسبق قيام البديل ويعرّض القطاع لمرحلة انتقالية تفتقر إلى المقوّمات والضمانات التي يفرضها القانون.
وأكدت النقابة في بيانها أن "الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتفكيك المؤسّسات ولا ببناء شركات بلا مقوّمات أو بتجاوز القانون، إنّما يبدأ بالحوار واحترام المؤسّسات وبناء الثقة وصون المصلحة العامّة. ومن هذا المنطلق، فإنّ النقابة ستبقى، كما كانت على الدوام، شريكًا في الإصلاح، ولكنّها ستكون في الوقت عينه، وفي كلّ حين، المدافع الأوّل عن قطاع الاتصالات والعاملين فيه، بكلّ الوسائل التي يجيزها القانون".
في هذا السياق، أوضح أمين سر نقابة موظفي هيئة "أوجيرو" عبد الله إسماعيل، في حديثه لـ"مهارات نيوز"، أن المقترح الذي تتبناه الحكومة اليوم يقضي بنقل العاملين إلى شركة "ليبان تيليكوم". وأكّد أن النقابة لا تعارض إنشاء الشركة أو انتقال الموظفين إليها، لكنها ترفض تطبيق قانون الاتصالات بصيغته الحالية، كونه صدر عام 2002 ولم يعد يواكب التحولات التي شهدها قطاع الاتصالات خلال السنوات الماضية.
وأشار إسماعيل إلى أن القانون وُضع في مرحلة كانت الأوضاع الوظيفية مختلفة تمامًا، إذ لم تكن مدة خدمة معظم الموظفين آنذاك تتجاوز خمس أو سبع سنوات، بينما تضم الهيئة اليوم موظفين أمضوا أكثر من ثلاثين عامًا في الخدمة.
وحذّر من أن تطبيق القانون الحالي سيؤدي إلى احتساب تعويضات نهاية الخدمة بصورة مجحفة، إذ يحدد سقف التعويض بـ200 مليون ليرة لبنانية، أي ما يعادل اليوم نحو 1200 دولار، وهو ما يعني أن الموظف الذي أمضى ثلاثين عامًا في الخدمة سيحصل على تعويض لا يعكس سنوات عمله الطويلة، وكأنه خدم أربع أو خمس سنوات فقط.
وأضاف أن متوسط أعمار العاملين في "أوجيرو" يبلغ اليوم نحو 54 عامًا، ما يعني أن شريحة واسعة منهم باتت قريبة من سن التقاعد، ومن غير الواقعي مطالبتهم بمغادرة المؤسسة والبحث عن فرص عمل جديدة في القطاع الخاص، كما كان يمكن أن يحصل عندما كان متوسط أعمار العاملين في حدود الثلاثين عامًا.
وكشف إسماعيل أن النقابة تقدمت باقتراح لتعديل المادة 49 من قانون الاتصالات، وهي المادة التي تنظم آلية انتقال العاملين من وزارة الاتصالات وهيئة "أوجيرو" إلى شركة "ليبان تيليكوم". وشدّد على أن النقابة تتمسك بتعديل القانون بدلًا من الالتفاف عليه عبر إصدار مرسوم من مجلس الوزراء، موضحًا أن المرسوم لا يمكنه تعديل قانون نافذ، ما يجعله عرضة للطعن أو للإلغاء من قبل أي حكومة أو وزير يتولى المسؤولية لاحقًا ويقرر الاستغناء عن العاملين.
ولفت إلى أن النقابة أعدت اقتراح قانون معجلًا مكررًا لتعديل المادة 49، وقّعه عشرة نواب من كتل نيابية مختلفة، وأُحيل إلى مجلس النواب. وأوضح أن التعديل لا يقتصر على هذه المادة، بل يشمل أيضًا بنودًا أخرى باتت متقادمة، من بينها الحصرية الممنوحة لشركة "ليبان تيليكوم". وشرح أن القانون، عند إقراره عام 2002، منح الشركة احتكار خدمات الهاتف الثابت، في وقت لم تكن فيه خدمات الإنترنت ونقل البيانات قد شهدت التطور الحالي، بينما تقدم اليوم شركات خاصة هذه الخدمات وتحقق منها إيرادات، ما يستوجب تحديث القانون بما ينسجم مع واقع القطاع.
وحذّر إسماعيل من أن إنشاء "ليبان تيليكوم" من دون تعديل القانون وتأمين مقومات استدامتها قد يقود إلى نتائج خطيرة، إذ قد تنقل الدولة جميع العاملين إليها بحجة عدم قدرتها على دفع تعويضاتهم، ثم تواجه الشركة بعد أشهر تعثرًا أو إفلاسًا، الأمر الذي قد يحرم نحو 1500 عائلة من مصدر رزقها.
وفي ما يتعلق بملف المياومين، أشار إسماعيل إلى أن الاتصالات التي أجرتها النقابة مع رئيس الحكومة والوزراء المعنيين أفضت إلى قرار يقضي بالاستمرار في صرف رواتب المياومين وعدم وقفها في الوقت الراهن، على أن يبقى هذا الإجراء مؤقتًا إلى حين التوصل إلى حلّ قانوني. وأضاف أن اجتماعًا كان مقررًا بين وزير الاتصالات، والمدير العام لـ"أوجيرو"، وجهات قانونية في وزارة العدل، لبحث المخارج القانونية الممكنة، لافتًا إلى أن رئيس ديوان المحاسبة لم يصدر حتى الآن أي قرار بوقف صرف الرواتب، باعتبار أن الديوان هو الجهة المخولة قانونًا اتخاذ مثل هذا القرار، ولم تُبلّغ "أوجيرو" بأي قرار رسمي بهذا الشأن.
وأكّد إسماعيل أن النقابة أجرت أيضًا جولة على مختلف الكتل النيابية، وقدمت اقتراح القانون الذي وقعه عشرة نواب من كتل مختلفة، والذي أُحيل إلى الحكومة لإبداء الرأي. وأشار إلى أنه تبلّغ أن الحكومة تتجه إلى رفض التعديل المقترح، إلا أن القرار النهائي يبقى من صلاحية مجلس النواب، باعتباره الجهة المخولة بإقرار القوانين أو تعديلها.
وختم بالتشديد على أن مطلب النقابة يتمثل في تعديل قانون الاتصالات بما يحفظ حقوق جميع العاملين، ويضمن استمرارية هيئة "أوجيرو" ودورها في تطوير قطاع الاتصالات، معتبرًا أن الحفاظ على المؤسسة واستمرار مشاريعها وإنتاجيتها يشكلان الضمانة الأساسية لاستمرار وظائف العاملين ومستقبل القطاع. وأكّد أن موقف النقابة واضح وثابت، ويتمثل في الدفاع عن جميع العاملين في "أوجيرو" بمختلف فئاتهم الوظيفية، سواء كانوا مستخدمين أو متعاقدين أو مياومين، مشددًا على أن أي مساس بحقوق أي فئة من العاملين يُعد مساسًا بجميع العاملين.
وفي ما يتعلق بالإجراءات الحكومية، أوضحت مصادر في وزارة الاتصالات لـ"مهارات نيوز"، أن مجلس الوزراء اتخذ قرارًا يتعلق بنحو 360 مياومًا، وقد جرى دفع مستحقاتهم لمدة تتراوح بين ثلاثة وأربعة أشهر، وذلك إلى حين استكمال تأسيس شركة "ليبان تيليكوم". وأشارت المصادر إلى أن العمل جارٍ حاليًا على إنشاء الشركة، معتبرة أن هذه القضية قد تسرّع عملية تأسيسها.
في المقابل، استغرب رئيس هيئة "أوجيرو" السابق عماد كريدية توقيت صدور القرار المتعلق بالمياومين، مشيرًا في حديثه لـ"مهارات نيوز"، إلى أن الاستئناف قُدّم من قبل مدعي عام ديوان المحاسبة ضدّ قرار صادر عن الغرفة السابعة في الديوان، وهي الغرفة المختصة بشؤون الاتصالات. والقرار الأساسي ليس جديدًا، بل مضى على صدوره وقت طويل، فيما قُدّم الاستئناف بعد نحو عام، معتبرًا أن ما جرى يحمل أبعادًا سياسية، شأنه شأن العديد من الملفات في لبنان.
وأكّد كريدية أنه من غير المقبول الانتظار ثماني أو تسع سنوات قبل إبلاغ موظفين بأن أوضاعهم الوظيفية غير قانونية. وشرح أن هؤلاء المياومين يعملون في "أوجيرو" منذ ثماني أو تسع سنوات، وهم الكوادر الجديدة التي التحقت بالمؤسسة خلال عامي 2017 و2018 استجابة لحاجاتها التشغيلية الفعلية. وهذه التعيينات أثارت آنذاك جدلًا واسعًا لتزامنها مع موسم الانتخابات، فاعتبرها البعض توظيفات انتخابية، في حين أن المؤسسة كانت قد أجرت دراسة لحاجاتها الفعلية.
ولفت إلى أن معدل أعمار موظفي "أوجيرو" عام 2017 كان يتجاوز 55 عامًا، بينما يشهد قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات تطورًا متسارعًا يتطلب باستمرار استقطاب كوادر جديدة وخبرات متخصصة لضمان استمرارية المؤسسة في تقديم خدماتها، معتبرًا أن إدخال دم جديد إلى الهيئة كان ضرورة تشغيلية وليس قرارًا سياسيًا.
ورأى كريدية أنه بعد مرور كل هذه السنوات لا يمكن تجاهل الفترة التي أمضاها هؤلاء الموظفون في العمل، ولا الظروف الاستثنائية التي واصلوا خلالها أداء مهامهم، بدءًا من الأزمة الاقتصادية، مرورًا بانتفاضة 17 تشرين، وجائحة كورونا، وصولًا إلى الحربين (2024 - 2026) اللتين شهدهما لبنان، مؤكدًا أن هؤلاء العاملين كانوا من الذين حافظوا على استمرارية المؤسسة وضمان استمرار خدماتها رغم مختلف التحديات.
واعتبر أن تعريض أرزاق ما بين 400 و500 عائلة للخطر أمر غير منطقي، مضيفًا أن القرار، حتى لو أمكن الدفاع عنه من الناحية القانونية، لا يمكن تبريره أخلاقيًا أو اجتماعيًا، لأن هؤلاء الموظفين أثبتوا كفاءتهم والتزامهم طوال سنوات، ولا يجوز بعد ثماني أو تسع سنوات إبلاغهم بأن وضعهم الوظيفي غير قانوني.
وتساءل كريدية عن سبب التركيز على مياومي "أوجيرو" دون غيرهم، في وقت يوجد فيه مياومون في مؤسسة كهرباء لبنان ومؤسسات المياه وسواها من الإدارات العامة، من دون أن تُثار بحقهم القضية نفسها. وأضاف: "إذا كان هناك من يريد فعلًا إنهاء دور هيئة أوجيرو، فليعلن ذلك بصراحة أمام الرأي العام، وليقل إنه لم يعد يريد هذه المؤسسة. أما إفراغها من موظفيها، فمن سيتولى عندها تقديم خدمات الاتصالات للمواطنين؟".
وعن تداعيات تنفيذ القرار، حذّر كريدية من أن تطبيقه ستكون له انعكاسات خطيرة على العاملين وعلى قطاع الاتصالات بأكمله، ويؤكد أنه لا يعارض الإصلاح، لكنه يرفض أن يُنفذ بطريقة تستهدف مؤسسة بعينها، مشددًا على أن أي إصلاح يجب أن يكون شاملًا ومدروسًا. ورجّح أن يتخذ مجلس الوزراء قرارًا يعالج هذا الملف ويحدّ من مفاعيل قرار مجلس شورى الدولة، انطلاقًا من الاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية، بما يسمح بالإبقاء على الوضع القائم. وختم بالقول: "أعتقد أن هذا هو الحل الوحيد، وإلا فإن قطاع الاتصالات سيواجه مشكلة جدية".
الأسس القانونية التي استند إليها القرار
ولفهم الأساس القانوني الذي استند إليه مجلس شورى الدولة في قراره، أوضح الخبير القانوني الدكتور طوني مخايل، المرتكزات القانونية التي بني عليها الحكم.
إذ اعتبر في حديثه لـ"مهارات نيوز"، أن هذه القضية تُرسّخ مجموعة من المبادئ الأساسية في الرقابة القضائية على أعمال الإدارة، ولا سيما مبدأ خضوع الإدارة لمبدأ المشروعية، وعدم جواز مخالفة النصوص القانونية الآمرة تحت أي ذريعة، وتغليب حماية المال العام على الاعتبارات الإدارية، وعدم نشوء حقوق مكتسبة عن أوضاع قانونية باطلة، فضلًا عن التمييز بين بطلان التعاقد واستحقاق الأجر عن العمل المنجز.
وأشار إلى أن القضية المعروضة تتعلق بالرقابة على أعمال الإدارة في ما يخص التعاقد مع مياومين في مؤسسة أوجيرو خلافًا لأحكام القانون رقم 46/2017، الذي حظر مختلف حالات التوظيف أو التعاقد في الإدارات العامة والمؤسسات العامة وسائر الجهات التابعة للدولة، إلا بقرار صادر عن مجلس الوزراء بناءً على تحقيق تجريه إدارة الأبحاث والتوجيه.
ووفق مخايل، فإن قرار مجلس شورى الدولة، الصادر بنتيجة المراجعة المقدمة من المدعي العام لدى ديوان المحاسبة طعنًا بقرار ديوان المحاسبة رقم 61/2021، قد وضع القضية في إطارها القانوني الصحيح، مؤكداً أنه لا مجال للاجتهاد في مواجهة النص الواضح والصريح، ولا سيما الفقرة الثانية من المادة 86 من قانون تنظيم ديوان المحاسبة، التي توجب على الغرفة المختصة في الديوان وقف صرف النفقة الناجمة عن تعيينات أو تعاقدات غير قانونية.
ولفت مخايل إلى أن مجلس شورى الدولة اعتبر أن التذرع بمبدأ الحقوق المكتسبة لا محل له، لأن التعاقد مع الأشخاص المعنيين تم بصورة مخالفة للقانون، وبالتالي لا يمكن أن تنشأ عن عمل غير مشروع حقوق مكتسبة جديرة بالحماية. وفي المقابل، أكد المجلس أن الأموال العامة التي دُفعت لهم لا تُسترد، تطبيقاً لقاعدة «لا عمل دون أجر»، باعتبار أنهم أدوا عملًا فعليًا استحقوا عنه المقابل المالي، رغم بطلان أساس التعاقد.
وبناءً على ما سبق، فإن الإشكالية صحيحة جزئيًا، لأن قرار مجلس شورى الدولة لا يتضمن نصًا يقضي بصرف مياومي أوجيرو أو محو سنوات خدمتهم، بل يكرّس وقف الإنفاق على تعاقدات اعتبرها مخالفة للقانون. أما مصير العاملين، فيبقى مرتبطًا بالإجراءات التي ستتخذها الحكومة والسلطات المختصة لمعالجة الملف.