"لم يصلنا شيء من وزارة الشؤون الاجتماعية غير وجبات الأكل اليومية الساخنة، ولم نحصل على أي شيء آخر"، هذه الجملة تكررت خلال جولتي الصحافية على أكثر من مركز نزوح في بيروت وجبل لبنان خلال أزمة النزوح الحالية، ما يطرح علامات استفهام رئيسية حول سرعة الاستجابة لأزمة النزوح، كما حول كيفية توزيع المساعدات التي يتم الإعلان عنها، والشفافية في ذلك.
ورغم الجهود التي تبذلها الجهات المختصة الداخلية والدولية والجمعيات لإغاثة النازحين، إلا أن حجم المساعدات لا يزال "نقطة في بحر الاحتياجات"، والحاجة الملحة اليوم تتركز على المواد الإغاثية الأساسية والفرش والأغطية وحليب الأطفال، بالإضافة إلى المستلزمات الطبية، لا سيما بعد توسع نطاق الحرب والتهجير. وقد حذّرت الأمم المتحدة من حالة طوارئ إنسانية متفاقمة في لبنان، نتيجة تداخل النزوح الواسع مع ارتفاع مستويات انعدام الأمن الغذائي.
ثغرات وتحديات
لبنان في أقل من سنتين يواجه واحدة من أكبر موجات النزوح الداخلي، مع تصاعد العمليات العسكرية والعدوان الاسرائيلي المتسع، والأسوأ في الموضوع، بأنه خرج كثيرون دون حمل أي من ممتلكاتهم، مكتفين بما كانوا يرتدونه، نتيجة ضيق الوقت وتسارع الأحداث، ما يتطلب سرعة في تلبية الاحتياجات.
وزارة الشؤون الاجتماعية تعمل فقط على تسجيل المساعدات التي تصل إلى مركز النزوح وتوجيهها، ضمن قرار وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد بمركزية التوزيع وحصريتها عبر الوزارة، ومنح الموافقة المُسبقة عليها. وقد ارتفعت الشكوى لدى عدد من النازحين بأن المساعدات لم تصل اليهم، وعليه يجب أن تكون الشفافية في تقديم المساعدات جزءاً أساسياً من التوجهات العالمية نحو العدالة والمساءلة، مع السعي رغم التحديات العديدة إلى تطوير أنظمة توزيع قائمة على أسس سليمة وشفافة.
وتعليقاً على الموضوع، أوضحت وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد بأنه "من المهم التأكيد بدايةً أن جميع مراكز الإيواء تُعامل وفق المعايير نفسها وتخضع لآليات التنسيق والتوزيع ذاتها، لا سيما من خلال القطاعات والشركاء العاملين ضمن إطار( Lebanon Response Plan LRP)، الذين يقدّمون النسبة الأكبر من المساعدات الإنسانية. وبالتالي، لا يوجد تمييز بين مركز وآخر أو بين منطقة وأخرى في آليات الاستجابة المعتمدة".
أما أي تفاوت قد يُلاحظ بين بعض المراكز، وأكدت السيد أنه "غالباً ما يكون مرتبطاً بالمساعدات التي تقدّمها الجمعيات والمبادرات المحلية، إذ تختلف قدرات هذه الجهات وأولوياتها ومجالات تدخلها من منطقة إلى أخرى. كما أن بعض الجهات قد تقوم بتقديم مساعدات مباشرة من دون المرور بشكل كامل عبر آليات التنسيق الرسمية أو لجان إدارة الكوارث، ما قد يخلق انطباعاً بوجود تفاوت بين المراكز".
ومن جهة أخرى، وأشارت السيد إلى أن تقييم وصول المساعدات لا يرتبط فقط بحجم المساعدات المقدمة، بل أيضاً بمدى تلبية احتياجات المستفيدين وتوقعاتهم. فمستوى الرضا قد يختلف من عائلة إلى أخرى ومن مركز إلى آخر، حتى في الحالات التي تكون فيها المساعدات الموزعة متقاربة من حيث الكمية أو النوعية.
إشكاليات قاعدة البيانات الحكومية
بناء على ما تقدم، التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تأمين المساعدات، بل في إدارتها بشفافية تامة، في ظل الفجوات التي ظهرت خلال الأزمة بين ما هو على الورق وما هو موجود على الأرض، لا سيما ضعف التنسيق المؤسسي.
وفي إطار الشفافية، تم الإعلان عن لوحة بيانات توزيع المساعدات الإنسانية بدعم من وحدة إدارة مخاطر الكوارث والصليب الأحمر اللبناني، وتعرض هذه اللوحة توزيع المساعدات الإنسانية في ثلاثة قطاعات رئيسية: الغذاء، والمياه والصرف الصحي والنظافة، والمأوى، مستهدفةً النازحين داخلياً داخل وخارج مراكز الإيواء الجماعية.
وحول معايير الشفافية التي تتبعها الوزارة في إطار توزيع المساعدات، أشارت الوزيرة السيد إلى أن الوزارة تعتمد مجموعة من الإجراءات التي تهدف إلى ضمان الشفافية ووصول المساعدات إلى مستحقيها بشكل مباشر. ففي مراكز الإيواء، يتم تسليم المساعدات للمستفيدين مباشرة من قبل الجهات المانحة، بحضور مندوب من وزارة الشؤون الاجتماعية أو مدير مركز الإيواء، وفي بعض الحالات بحضور الطرفين معاً، ما يساهم في التحقق من عملية التوزيع وضمان وصول المساعدات إلى المستفيدين الفعليين. كما أن الجزء الأكبر من المساعدات يصل مباشرة من الجهة المانحة إلى مراكز الإيواء من دون وسطاء، الأمر الذي يحدّ من احتمالات الهدر أو الازدواجية ويعزز الشفافية في مختلف مراحل التوزيع.
وأردفت السيد في حديث إلى "النشرة"، وأضافت إنه إضافةً إلى ذلك، تم تعميم خطوط ساخنة مخصّصة للنازحين والمستفيدين، تتيح لهم الاستفسار أو تقديم الشكاوى والإبلاغ عن أي خلل محتمل في عملية التوزيع، ما يشكل آلية رقابة ومساءلة إضافية. ولا بد من الإشارة أيضاً إلى أهمية المنصة الوطنية التي تجمع بيانات المساعدات المقدمة من الجهات الحكومية وغير الحكومية، المحلية والدولية، حيث تتيح رؤية أوضح لحجم الموارد المتاحة والمساعدات المقدمة، الأمر الذي يعزز الشفافية ويُسهّل عملية المتابعة والتنسيق بين مختلف الجهات المعنية.
وبالمقابل، رداً على سؤال حول ما إذا كانت لوحة بيانات توزيع المساعدات الإنسانية واضحة وشاملة؟ جزمت مديرة البرامج في مبادرة غربال السيدة كلارا بو غاريوس بـ "النفي"، الدليل على ذلك إشكاليات هيكلية في البيانات المنشورة بصيغة PDF ما يحول دون تحليلها برمجياً أو مقارنتها بين الجهات، كما أن 71% من المساعدات الموزعة لدى الهيئة العليا للإغاثة مصنّفة تحت خانة "موقع غير معروف" (1,501,628 وحدة)، ما يجعل أي تقييم للعدالة الجغرافية مستحيلاً.
ولفتت إلى أن 229,970 وحدة في بيانات لجنة الطوارئ مجهولة التاريخ، مما يعيق التحليل الزمني الكامل. كما أن 1,753,847 وحدة من إجمالي المساعدات الموزعة غير مرتبطة بأي محافظة محددة.
وأشارت إلى غياب التوحيد بين الجهات: تستخدم الجهات الثلاث وحدات قياس مختلفة (قطعة، كيلوغرام، صندوق، حصة، حقيبة، طرد) دون أي معيار موحّد، ما يجعل المقارنة بين بياناتها شبه مستحيلة حتى للمتخصصين في تحليل البيانات.
رئيس جمعية "الشفافية الدولية لبنان–لا فساد" الأستاذ محمد فريد مطر اعتبر في حديث إلى "النشرة"، أن إطلاق لوحة بيانات المساعدات الإنسانية يشكل خطوة إيجابية ومهمة نحو تعزيز الشفافية وإتاحة المعلومات المتعلقة بالمساعدات للعموم. للمرة الأولى، بات هناك منصة رسمية تجمع معلومات حول توزيع المساعدات وتتيح للجهات المعنية والمواطنين الاطلاع على جزء من البيانات المتعلقة بالاستجابة الإنسانية، ما يساهم في تحسين التنسيق بين الجهات الفاعلة ويعزز المساءلة العامة.
في المقابل، رأى مطر أنه "لا يمكن القول إن اللوحة وصلت بعد إلى مستوى الشمولية الكاملة أو أنها تضمن بمفردها الشفافية المطلوبة. فما زالت هناك حاجة إلى توسيع نطاق المعلومات المنشورة، خصوصاً لناحية الإفصاح الكامل عن الجهات المانحة وحجم التمويل الوارد، وتوسيع القطاعات المشمولة بالبيانات، وتحسين مستوى التفاصيل المتعلقة بمكان وصول المساعدات والفئات المستفيدة منها. لذلك، يمكن اعتبار المنصة أساساً جيداً يجب البناء عليه وتطويره بشكل مستمر".
الثغرات الأساسية لناحية الشفافية
يتم توزيع المساعدات الإنسانية من قبل ثلاثة جهات فاعلة رئيسية: الحكومة من خلال الهيئة العليا للإغاثة ومجلس الجنوب، وكالات الأمم المتحدة وشركائها في إطار خطة الاستجابة للبنان، بالإضافة إلى المنظمات المحلية والمبادرات الفردية. وبذلك، تجمع اللوحة البيانات التي تُبلغ عنها هذه الجهات.
وحول ضبط آلية توزيع المساعدات في ظل التعدد في اللجان التي تدير عمليات الإغاثة، لفتت الوزيرة السيد إلى أنه بغضّ النظر عن الجهة المقدمة للمساعدات، سواء كانت جهة حكومية كـ "الهيئة العليا للإغاثة" أو منظمة دولية أو محلية، فإن عمليات التنسيق والتوزيع تتم من خلال لجان إدارة الكوارث على المستوى الوطني ومستوى المحافظات، بما يضمن أعلى درجات التنظيم وتنسيق الجهود بين مختلف الأطراف.
ولفتت الوزيرة السيد إلى أن هذا التنسيق يهدف إلى تحقيق ثلاثة أهداف أساسية: أولاً، تعزيز الشفافية في إدارة المساعدات والحفاظ على ثقة الجهات المانحة والداعمة؛ ثانياً، ضمان وصول المساعدات إلى أكبر عدد ممكن من المتضررين، لا سيما الفئات الأكثر هشاشة؛ وثالثاً، ترشيد استخدام الموارد المتاحة وضمان استمرارية الاستجابة لأطول فترة ممكنة، خصوصاً في ظل الأزمات الممتدة التي يصعب التنبؤ بمدتها، وفي ظل محدودية الموارد مقارنة بحجم الاحتياجات المتزايدة.
وحول أبرز الثغرات في المنصة، لفت مطر إلى أنها "لا تتعلق بغياب المعلومات بالكامل، بل بمدى تفصيلها وقابليتها للتتبع والتحقق. فعلى سبيل المثال، ما زالت البيانات المعروضة مجمعة على مستوى المحافظات أو الأقضية، في حين أن تعزيز الثقة يتطلب إظهار المعلومات على مستويات أكثر تفصيلاً، بما يسمح بتتبع المساعدات حتى مستوى مراكز الإيواء أو الجهات المستفيدة. كما أن بعض القطاعات والمؤسسات الأساسية لا تزال غير ممثلة بشكل كافٍ ضمن المنصة، ما يحول دون تكوين صورة وطنية متكاملة للمساعدات".
وأردف رئيس جمعية "لا فساد"، "كذلك، هناك حاجة إلى الإفصاح عن التوقيت الزمني لوصول المساعدات وتوزيعها، واعتماد آليات للتحقق من التسليم الفعلي للمساعدات، إضافة إلى توحيد وحدات القياس المستخدمة في عرض البيانات. ومن المهم أيضاً أن تتجه الحكومة تدريجياً نحو اعتماد المعايير الدولية للشفافية في المساعدات، ولا سيما معايير المبادرة الدولية لشفافية المساعدات (IATI)، بما يسمح بنشر البيانات بطريقة موحدة وقابلة للمقارنة والتدقيق. هذه العناصر مجتمعة هي التي تعزز الثقة العامة وتحد من مخاطر الازدواجية أو الهدر أو الاستنسابية في التوزيع".
بدورها، تحدثت مديرة البرامج في مبادرة غربال السيدة كلارا بو غاريوس عن التناقضات الرقمية الصارخة، حيث وثّق تقرير "غربال" أن البيانات المتاحة مليئة بالشوائب البنيوية، وأوضحت بأن ثلاث جهات رسمية (الهيئة العليا للإغاثة، لجنة الطوارئ، مجلس الجنوب) استلمت معاً 2,806,744 وحدة ووزّعت 2,366,729 وحدة، مع فارق 470,015 وحدة لم تُوزَّع (16.74%)، لكن أسباب هذا الفارق ومصير هذه الوحدات يبقيان غامضَين تماماً بسبب غياب التوثيق.
بين حربي 2024 و2026
السؤال اليوم، هل تعلّمت الحكومة من أخطائها وتحسّن معيار الشفافية؟ لا سيما وأن الحرب لم يمضي عليها أكثر من عامين، ما يعني أن الفريق الذي أدار الأزمة الماضية لديه الخبرة الكافية لذلك.
وحول تحسن مستوى الشفافية في الأزمة الحالية، اعتبر مطر أنه "من المبكر إعطاء حكم نهائي، لكن يمكن القول إن هناك مؤشرات إيجابية تدل على أن الحكومة استفادت جزئياً من دروس عام 2024. أبرز هذه المؤشرات هو الانتقال من الاعتماد على بيانات متفرقة أو غير متاحة للجمهور إلى إطلاق منصة رسمية مخصصة مركزية لتتبع المساعدات، وهو تطور لم يكن متوافراً بالشكل نفسه خلال الاستجابة السابقة. كما أن مستوى التنسيق بين عدد من الجهات الحكومية والشركاء الدوليين يبدو أكثر تنظيماً مقارنة بالمراحل الأولى من أزمة النزوح عام 2024".
لكن في الوقت نفسه، فإن الانتقال من الشفافية الجزئية إلى الشفافية الكاملة لا يزال يتطلب خطوات إضافية بحسب رئيس جمعية "لا فساد"، فالتحدي اليوم لم يعد فقط جمع البيانات، بل ضمان اكتمالها ودقتها وقابليتها للتحقق واستخدامها من قبل المواطنين والإعلام والمجتمع المدني. لذلك يمكن القول إن هناك تقدماً مقارنة بعام 2024، لكن لا تزال هناك فرصة كبيرة لتطوير المنصة وتحويلها إلى أداة وطنية متكاملة لتتبع المساعدات وتعزيز الثقة العامة في إدارتها. فالمسألة ليست فقط نشر المعلومات، بل تمكين المواطنين من متابعة الأموال والمساعدات من لحظة وصولها إلى لحظة استفادة المستفيدين منها.
وفي السياق، أكدت بوغاريوس إن الإشكاليات الموثّقة ليست طارئة بل بنيوية ومتجذّرة، ما يدل على غياب التعلّم المؤسسي، حيث وُجد قانون الحق في الوصول إلى المعلومات رقم 28/2017 منذ سنوات، لكن الإدارات المعنية تجاهلته كلياً خلال الأزمة. كما أصدرت رئاسة مجلس الوزراء تعميم رقم 34 في تشرين الثاني 2024 يدعو إلى الشفافية، لكن الإدارة نفسها رفضت تقديم أرقام مباشرة حين طُلبت منها.
وتحدثت بوغاريوس عن تقدم نسبي في بعض النقاط، بحيث أن لجنة الطوارئ الحكومية حقّقت نسبة توزيع بلغت 99.25%، ومجلس الجنوب 98.48%، وهي نسب مرتفعة تعكس كفاءة تشغيلية داخلية. ولفتت إلى أن وجود لوحة بيانات إلكترونية لدى الهيئة العليا للإغاثة، رغم قصورها، يمثّل خطوة لم تكن موجودة في أزمات سابقة.
وفي الخلاصة، رأت أنه ما لم تُعالَج الإشكاليات البنيوية هو توحيد وحدات القياس، ربط الاستلام بالتوزيع آنياً، إلزامية الإفصاح العام، ورقابة مستقلة فعلية. فإن أي أزمة مستقبلية ستُفضي إلى الفوضى ذاتها في إدارة المساعدات. الأرقام تقول ذلك بوضوح: 16.74% من المساعدات بقيت غير موزّعة، و71% من الموزّعة لا نعرف أين ذهبت جغرافياً.
يأتي هذا التقرير في إطار زمالة الصحافيين والصحافيات بعنوان "فهم بيئة المعلومات في زمن الحرب". الآراء الواردة في هذا المنشور لا تمثل بالضرورة وجهات نظر مؤسسة فريدريش إيبرت. ينشر هذا التقرير بالتزامن مع موقع النشرة.
TAG : ,أزمة ,النزوح ,الأرقام ,الواقع ,الشفافية ,مطلب