غير صحيح
في ظلّ عودة الحديث في الفترة الأخيرة حول ما سُمّي استحقاق آذار 2025، وهو الموعد الذي يفقد فيه حاملو اليوروبوندز حقهم في المطالبة بالفوائد على أصل الدين، ورد في مقال لصحيفة الجمهورية معلومات عن "أنّ الحكومة اللبنانية أصبحت مُلزمة بدفع كل سندات اليوروبوندز دفعة واحدة والتي تبلغ قيمتها حوالي 31 مليار دولار، وكون العدّاد يسجّل فوائد إضافية على المبلغ، فالحكومة بالتالي ستفاوض على حوالي 41 مليار دولار وليس على 31 ملياراً".
فهل أصبحت الحكومة مُلزمة بدفع كل سندات اليوروبوندز دفعة واحدة؟
يبدو أن لبنان مقبل على أزمة متّصلة بدعوى ستقدّمها مجموعة من حملة سندات اليوروبوندز الأجانب في نيويورك، للمطالبة بتسديد ما تراكم لهم من أصول وفوائد هذه السندات.
الدعوى ستُرفع على الدولة اللبنانية التي أعلنت التوقّف عن الدفع منذ أربع سنوات وثلاثة أشهر، وسيطالب المدّعون بإثبات وقف الدفع أولاً، ثم بالحجز على أصول الدولة اللبنانية، إلا أنه لم يتّضح بعد إن كانت الدعوى ستشمل مصرف لبنان للمطالبة بالحجز على الذهب وعلى كل ما يموّله لمصلحة الدولة مثل شحنات الفيول وسواها من سلع وخدمات.
إجراءات الدعوى مرتبطة بشروط الإصدار. فسندات اليوروبوندز هي سندات أصدرتها الدولة اللبنانية مقابل الاستدانة بالعملات الأجنبية في مراحل مختلفة، أولاها بدأت في عام 1997. أي إنها اقترضت من كل من يرغب في إقراضها وفق الشروط المتعارف عليها في الأسواق الدولية لهذا النوع من السندات، ومنحت المُقرضين إقراراً (سندات) بحقوقهم في أصل المبلغ، وفترة استحقاقه، والفوائد التي ينتجها، وآلية تسديدها، بالإضافة إلى حقّ بيع السندات للآخرين.
ومن ضمن شروط هذه السندات، حُدّدت آليات رفع الدعاوى، وعمليات التقاضي التي يلجأ إليها الطرفان في حال الإخلال بالشروط.
وفي هذا الإطار يقول الباحث في الشؤون الإقتصادية والمصرفية محمد فحيلي، في حديثٍ لـ"مهارات نيوز"، "من قواعد الإشتباك بين الدائن (أي الجهة التي تُقرض الأموال) والمدين (وهي الجهة المقترضة) في الأسواق المالية، أنه عندما يأخذ المدين قراراً بالتوقف عن خدمة الدين أو أنه توقف عن الدفع نهائياً بالنسبة لتسديد واجباته تجاه الدائن، عندها يستحق كل دينه فوراً، وهذا من قواعد العمل في القطاع المصرفي".
ويشرح فحيلي، "أن دين الدولة إستحق بتاريخ 8 آذار 2020 عندما إتخذت الحكومة القرار في السابع من آذار بإيقاف خدمة الدين نهائياً، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة دفع المبلغ مرّة واحدة".
والسبب بحسب فحيلي أن الدولة اللبنانية أخفقت عندما لم تطلق عجلة المفاوضات بعد إقرار التعثر ولا زلنا حتى اليوم نترنح بين خطة ألفاريز وخطة لازارد وحكومة حسان دياب وغيره"، لافتاً إلى أن إطلاق عجلة المفاوضات يجب أن تكون تحت رعاية دولية إما نادي باريس (Paris Club) أو تحت رعاية صندوق النقد الدولي، لأن الدولة التي تأخذ قراراً بالتوقف عن خدمة دينها تخسر ثقة الأسواق المالية بها، وبالتالي تحتاج إلى جهة محايدة لكي تعطيها إبراء الذمة بأنها صادقة بإعادة هيكلة ماليتها العامة وبأن قدرتها على تسديد الديون أصبحت واردة.
ولكن الشرط الأساسي والممر الإلزامي لإطلاق عجلة المفاوضات وفق فحيلي، إجراءات تتخذها الدولة اللبنانية تؤكد قدرتها على تسديد الدين والعودة إلى خدمة الدين ويمكن للدولة إثبات ذلك فقط من خلال الحصول على المباركة من جهة دولية إما صندوق النقد الدولي أو نادي باريس (Paris Club).
وتوافق الصحافية الإقتصادية عزة الحاج حسن، الباحث فحيلي بإعتبار مسار الدعوى خارج البلد خطير جداً، ويعود إلى خطأ الحكومة اللبنانية عام 2020 ليس فقط لناحية التخلف عن سداد سندات اليوروبوندز وإنما عدم لقائها مع حاملي السندات والإتفاق معهم.
وشرحت في حديثٍ لـ"مهارات نيوز"، "أن لبنان ليس أول بلد في العالم يتخلف عن سداد اليوروبوندز ولكن الخطأ تمثل بعدم تحمل الحكومة مسؤولية قرارها حينها وإستخفافها به فلم تستدعي أصحاب اليوروبوندز للقائهم والإتفاق معهم على إعادة جدولة الديون والإتفاق معهم على آلية جديدة وربما فوائد جديدة".
حتى الآن تعاملت القوى السياسية بكثير من الاستخفاف تجاه ملف سندات اليوروبوندز، وهي لغاية الآن لم تدرج في ميزانيتها حجم السندات والفوائد المتراكمة عليها. كما وبدأ العدّاد يسجّل فوائد إضافية على المبلغ كاملاً، ووفق الحسابات الأولية فإنّ مجموع الفوائد خلال السنوات الخمس الممتدة بين آذار 2020 وآذار 2025 يتجاوز الـ10 مليارات دولار.
وفي هذا الإطار يشرح فحيلي، أن الفائدة على الدولار اليوم عالية جداً مقارنة لما كانت عليه عندما أصدرت الدولة سندات اليوروبوند في تلك الحقبة، إذ كانت الفوائد على الدولار تقارب الصفر بالمئة أما اليوم فهي تبلغ ما يقارب 5.13 % على الدولار والفوائد تتراكم دفترياً إذا صح القول، لافتاً إلى أنه "عند الجلوس على طاولة المفاوضات لا يُعترف بأي رقم وتبدأ المفاوضات على قواعد إشتباك جديدة تحصل بناءً على ثلاثة محاور،
أولاً- التفاوض على أصل الدين، فإذا إفترضنا مثلاً أن أصل الدين 100 دولار، الدولة اللبنانية يمكنها التفاوض مع من أقرضها للوصول إلى تفاهم على دفع السند 70 دولاراً.
ثانياً- التفاوض على الفائدة، فمثلاً إن كانت الفائدة على السند 8%، فالحكومة اللبنانية ضمن الظروف الراهنة يمكنها دفع 5% فوائد فقط.
وثالثاً - التفاوض على تواريخ الإستحقاق، وهنا تأتي إعادة جدولة الدين مثلاً صحيح أن الإستحقاقات في العام 2037 ولكن تحتاج الدولة إلى تمديد المدة 10 سنوات إضافية.
وبالتالي وفق فحيلي "فإن كل هذه المواد هي قيد التفاوض إلى حين التوصل إلى إتفاق معين، ولذلك لا يمكننا تحديد المبلغ المستحق على الدولة اللبنانية لأن الديون السيادية يتم معالجتها بطريقة تختلف جداً عن الديون الفردية أو ديون القطاع الخاص وكلها عرضة للتفاوض والإتفاق بناءً على قواعد الإشتباك الجديدة".
إذاً ما تمّ تداوله غير صحيح، إذ أن إستحقاق دين الدولة لا يعني بالضرورة دفع المبلغ مرّة واحدة كما لا يمكن تحديد المبلغ المستحق على الدولة اللبنانية على أصل الدين والفوائد لأن الأمر متوقف على نتيجة المفاوضات والإتفاق بناءً على قواعد الإشتباك الجديدة.