صحيح جزئياً
قرّر مجلس اتحاد قضاء بلديات جبيل، في 27 آب 2026 تلزيم إدارة وتشغيل مركز معالجة النفايات الصلبة في حبالين لشركة "أبو حبيب غروب ش.م.ل." بقيمة 520.213 دولار. يأتي هذا القرار (رقم 20) بعد أقل من خمسة أشهر على تلزيم سابق للملف نفسه، رسا على الشركة نفسها في 14 نيسان 2026، بقيمة 700.800 دولار. ويبلغ الفارق بين القيمتين المعلنتين 180.587 دولارًا، ما يثير مع بقاء الشركة ودفتر الشروط نفسيهما، تساؤلات حول تقييم العروض والأساس الذي اعتُمد لإرساء التلزيم الأول.
*قرار التلزيم - مطمر حبالين (رقم 20)
فهل شاب تقييم العروض وإرساء التلزيم الأول لمركز حبالين خلل، قبل إعادة تلزيمه للشركة نفسها بكلفة أقل؟
بدأ الملف بإعلان اتحاد بلديات قضاء جبيل عن مناقصة عمومية لتلزيم تشغيل مركز معالجة النفايات في حبالين، تشمل أعمال الفرز والطمر وفق المواصفات الفنية والبيئية ودفتر الشروط. وبحسب منصة هيئة الشراء العام، نُشر الإعلان في 14 شباط 2026، وحُدّد 18 آذار موعدًا لفتح العروض الإدارية والفنية، على أن يُموّل التشغيل من أموال الصندوق البلدي المستقل المخصصة لمعالجة النفايات.
كيف أُرسي التلزيم الأول؟
يُظهر قرار الإرساء الأول أن أربعة عروض قُدّمت إلى المناقصة، وبعد أن قامت لجنة التلزيم بتدقيق مستندات الغلاف الأول لكل عرض على حدة، تم قبول أربعة عروض ثم انتقلت اللجنة بعدها إلى فتح غلافات الأسعار للعروض المقبولة، وذلك وفق ما هو وارد في محضر التلزيم رقم (١) واحد المسجل برقم ١٩٦/٢٠٢٦ تاريخ ١٨/٣/٢٠٢٦ والذي بموجبه قررت اللجنة إحالة كامل الملفات مع كامل الاعتراضات لهيئة الشراء العام عبر رئيس الاتحاد بشأن بعض الاستفسارات القانونية فيما يخص الاعتراضات.
وفي جلسة 10 نيسان، تناول التقييم ثلاثة عارضين متبقين: مؤسسة سمعان القاعي التي نالت 93.65 علامة، وشركة أبو حبيب غروب التي نالت 92.88 علامة، ومؤسسة طوني فارس للتعهدات والتجارة التي نالت 84 علامة. ولا يوضح القرار سبب انتقال عدد العارضين من أربعة إلى ثلاثة.
ورغم أن القرار يذكر حصول مؤسسة سمعان القاعي على أعلى علامة، أحالت اللجنة محضرها إلى مجلس اتحاد إرساء التلزيم بسبب تقارب النتائج. وفي 14 نيسان 2026، قرر المجلس إرساء التلزيم مؤقتًا على شركة «أبو حبيب غروب ش.م.ل.» بقيمة 700,800 دولار، مع إخضاعه لفترة تجميد مدتها عشرة أيام عمل من تاريخ النشر. غير أن تقارب العلامات لا يوضّح وحده الأساس الذي اعتُمد لاختيار الشركة، خصوصًا أن دفتر الشروط ينصّ على إرساء التلزيم على العارض المقبول إداريًا وفنيًا الذي يقدّم السعر الأدنى.
لماذا أُلغي التلزيم الأول؟
لاحقًا، اعترض ثمانية رؤساء بلديات أعضاء في الاتحاد. وفي كتاب مؤرخ في 13 تموز 2026، أبلغ محافظ جبل لبنان، القاضي محمد المكاوي، الاتحاد بتعذّر التصديق، موضحًا أن إجراءات الإرساء المؤقت لم تتوافق مع أحكام قانون الشراء العام، وأن مبدأ السعر الأدنى الوارد في دفتر الشروط لم يُعتمد. وطلب إلغاء التلزيم وإعادة المناقصة بدءًا من نشر الإعلان.
وفي 15 تموز، اتخذ مجلس الاتحاد قرارًا بإلغاء المناقصة والقرارات المرتبطة بها، وإعادة الإعلان استنادًا إلى دفتر الشروط المصدّق والمعتمد. وأشار القرار إلى مراسلات هيئة الشراء العام ورأي استشاري لديوان المحاسبة بتاريخ 30 حزيران، من دون إرفاق نصّيهما كاملين. وبالتالي، يرتبط السبب الموثّق للإلغاء بمخالفات في إجراءات الإرساء وعدم اعتماد السعر الأدنى.
ماذا حصل في المناقصة الثانية؟
أُعيدت المناقصة، ورسا التلزيم مجددًا على شركة «أبو حبيب غروب ش.م.ل.» في 27 آب 2026، بقيمة معلنة تبلغ 520,213 دولارًا، وفق القرار رقم 20. ويمثّل ذلك فارقًا قدره 180,587 دولارًا بين المبلغين المعلنين، مع ضرورة التأكد من احتسابهما على أساس ضريبي موحّد لإجراء مقارنة مالية دقيقة.
هل تغيّرت شروط التلزيم؟
تُظهر مقارنة دفترَي الشروط المنشورين للمناقصتين تطابق نطاق الخدمات المطلوبة، التي تشمل إدارة المركز وتشغيله وفرز النفايات ومعالجتها وطمر العوادم وفق المتطلبات الفنية والبيئية. كما يحدّد كلاهما مدة التنفيذ بسنة كاملة من تاريخ أمر المباشرة، ويعتمد جدول الكميات نفسه: 120 طنًا يوميًا على مدى 365 يومًا، أي 43,800 طن سنويًا. وبالتالي، لا يظهر في هذه البنود تعديل في الخدمات أو المدة أو الكميات يفسّر انخفاض قيمة عرض الشركة في المناقصة الثانية.
كيف يفسّر الاتحاد مسار التلزيم؟
في السياق، يقول نائب رئيس اتحاد بلديات جبيل ورئيس لجنة التلزيم، الدكتور بشير إلياس، في حديثٍ لـ "مهارات نيوز"، إن التلزيم السابق جرى قبل نحو سنتين، حين تقدّم عارض وحيد بسعر 25 دولارًا للطن، واضطر الاتحاد إلى قبول العرض لضمان استمرارية العمل في مركز معالجة النفايات. (ويتعلّق هذا السعر بالعقد السابق للمناقصتين موضوع المقال، وليس بالتلزيم الأول الذي أُرسي في نيسان 2026 ثم أُلغي).
ويضيف أنه، بعد انضمامه إلى لجنة التلزيم، طُرحت فكرة إعداد دفتر شروط وإجراء مناقصة جديدة لبحث إمكانية خفض الكلفة، بعدما درست اللجنة مع شركات أخرى ومتخصصين الكلفة الفعلية لمعالجة الطن. وعلى هذا الأساس، أُطلقت المناقصة، وقرّرت الشركة المشغّلة المشاركة مجددًا، وهو ما يعتبره «حقًا مشروعًا لها».
ويوضح إلياس أن عدة شركات تقدّمت إلى المناقصة الأولى، لكن اختلافًا في تفسير بعض الجوانب القانونية برز بين لجنة التلزيم ومجلس الاتحاد، إلى جانب تباين الآراء لدى ديوان المحاسبة وهيئة الشراء العام والمحافظ. إذ رأت اللجنة ضرورة أن يتمتّع العارض الفائز بتوازن بين قدراته المالية والتقنية والإدارية، في حين نصّ دفتر الشروط على اعتماد السعر الأدنى. ويقول إن اللجنة اعتبرت أن العارض الأقل سعرًا، رغم استكمال مستنداته، قد لا يكون قادرًا عمليًا على تنفيذ الأعمال، ولذلك أوصت بالعارض الذي رأت أنه يمتلك القدرات اللازمة للتشغيل.
وعن اختيار شركة «أبو حبيب غروب» رغم حصول مؤسسة سمعان القاعي على العلامة الأعلى، يشير إلياس إلى أن مجلس الاتحاد تمسّك باعتماد السعر الأدنى، لكن العارض الأقل سعرًا لم يكن قد حصل على علامات كافية. وهنا برز التعارض بين توصية لجنة التلزيم وموقف مجلس الاتحاد بوصفه الجهة الشارية.
ويضيف أن الملف أُحيل إلى المحافظ، الذي رأى أن التأخير في الترسية وتجاوز المهل القانونية لم يعودا يسمحان بتصديق القرار، وأن الخلاف بشأن تطبيق دفتر الشروط يستدعي إعادة المناقصة. وبحسب إلياس، كان موقف المحافظ يقضي باعتماد السعر الأدنى، أو إعادة المناقصة إذا لم يرغب مجلس الاتحاد في التلزيم للعارض الذي قدّمه.
ويقول إن المناقصة أُعيدت بقرار من المحافظ، وتقدّم إليها عارضان، هما مؤسسة سمعان القاعي والشركة المشغّلة الحالية. ويؤكد أنه كان يتعيّن، وفق رأي المحافظ، اعتماد السعر الأدنى شرط توافر القدرة التقنية على التنفيذ، معتبرًا أن الشركة التي فازت بالتلزيم تمتلك هذه القدرة، لأنها تتولّى تشغيل المركز منذ نحو سنتين ونصف.
ويؤكد إلياس أن دفتر الشروط بقي نفسه بين المناقصتين، وقد مرّ على هيئة الشراء العام والمحافظ ومجلس الاتحاد والجهاز الفني. كون إعادة المناقصة لم تكن بسبب خلل في دفتر الشروط، بل نتيجة تجاوز المهل القانونية وتضارب الآراء، ما دفع المحافظ، بصفته سلطة الوصاية الإدارية على الاتحاد والبلديات، إلى اتخاذ قرار بإعادتها.
أما بشأن انخفاض السعر، فيوضح أن الشركة المشغّلة أعادت دراسة عرضها، بعدما كانت تتقاضى 25 دولارًا للطن في العقد السابق، وقدّمت نحو 16 دولارًا في المناقصة التي أُلغيت، ثم نحو 10.7 دولارات في المناقصة الثانية. ويعتبر أن تحديد الكلفة وهامش الربح يعود إلى الشركة، مشيرًا إلى أنها ربما كانت تتوقّع ربحًا بخمسة أو ستة أو سبعة دولارات للطن في العرض الأول، ثم اكتفت بدولارين أو ثلاثة في العرض الثاني. ويضيف: "لو لم يكن هذا السعر مناسبًا للشركة، لما كانت قد قدّمته، فهي لن تتحمّل الكلفة من حسابها الخاص".
*ويقدّم إلياس ذلك بوصفه تفسيرًا محتملًا، وليس استنادًا إلى بيانات مالية تفصيلية تبيّن كلفة التشغيل وهامش الربح في كل عرض.
ويشدّد إلياس على أن الشركة تتحمّل مسؤولية قدرتها على التشغيل بالسعر الذي التزمت به. ويكشف أن الاتحاد بصدد إعداد دفتر شروط منفصل للاستعانة بشركة هندسية متخصصة بمراكز المعالجة، تتولّى الإشراف على حسن سير العمل ومتابعة التزام الشركة المشغّلة.
ويختم بالتأكيد أن دور الاتحاد هو ضمان فرز النفايات وطمرها بالطريقة الصحيحة والالتزام بالمتطلبات البيئية المتعلقة بالروائح والغازات. ويوضح أن الرقابة ستُمارَس من خلال الشركة المشرفة ولجنة الاتحاد والجهاز الفني، إلى جانب نظام الكاميرات الذي رُكّب حديثًا وبدأ العمل، وأن أي إخلال بالتزامات التشغيل سيعرّض الشركة للجزاءات المنصوص عليها في دفتر الشروط.
ما تفسير الخبير القانوني؟
من جهته، يشرح الخبير القانوني الدكتور طوني مخايل، في حديثٍ لـ "مهارات نيوز"، أن قرار التلزيم الأول لم يحظَ بالأكثرية المطلوبة داخل المجلس، الذي يضمّ مندوبًا عن كل بلدية في الاتحاد، ما دفع الأعضاء المعترضين إلى الطعن فيه. ويضيف أن التلزيم أُلغي بموجب القرار رقم 15، بعد مراجعة المحافظ والاطّلاع على الرأي الاستشاري لديوان المحاسبة، ثم أُعيدت المناقصة ورسا التلزيم بموجب القرار رقم 20 بقيمة نحو 520 ألف دولار، مقارنةً بنحو 700 ألف دولار في المرة الأولى.
ويرى مخايل أن اعتراض الأعضاء وعدم توافر الأكثرية دفعا إلى إعادة المناقصة، ما حمل الشركة على خفض سعرها للحصول على موافقة الأكثرية وإتمام التلزيم. ويعتبر أن انخفاض السعر في هذه الحالة لا يكفي بحدّ ذاته لاستخلاص وجود مخالفة أو شبهة. إلا أن هذا التفاوت الملحوظ قد يبرّر التحقق من أسبابه ومدى مراعاة إجراءات الشفافية والرقابة والضوابط القانونية ذات الصلة بحسن إدارة المال العام.
إذًا الإشكالية صحيحة جزئيًا، إذ تُظهر المستندات وجود خلل في إجراءات إرساء التلزيم الأول، تمثّل في عدم اعتماد معيار السعر الأدنى الوارد في دفتر الشروط، ما أدّى إلى إلغائه وإعادة المناقصة. ورسا التلزيم لاحقًا على الشركة نفسها بقيمة معلنة أقل.
أما انخفاض السعر، رغم تطابق الخدمات والمدة والكميات المحدّدة في دفترَي الشروط، فلا يكفي وحده لإثبات خلل في المنافسة أو هدر للمال العام. ويبقى تفسيره بحاجة إلى مقارنة مالية على أساس ضريبي موحّد، وبيانات موثّقة عن احتساب الشركة للكلفة وهامش الربح، بما يُبرز أهمية الشفافية في تقييم العروض والرقابة على الإنفاق العام.