صحيح جزئياً
أثار قرار محافظ بعلبك–الهرمل بشير خضر المتعلق بتنظيم العلاقة بين المحافظة والبلديات والجمعيات العاملة ضمن نطاقها جدلًا حول حدود صلاحيات المحافظ، وما إذا كانت بعض القرارات التي اتخذها تتجاوز الاختصاصات التي يمنحها له القانون. فبينما أشارت تقارير صحافية إلى تدخل المحافظ في صلاحيات البلديات، أثار أيضًا تعيين منسق من خارج الإدارة بين المحافظة والجمعيات تساؤلات حول الأساس القانوني لهذه الإجراءات.
ويستدعي ذلك التحقق من الصلاحيات التي يمنحها القانون لمحافظ بعلبك–الهرمل، ومدى انطباقها على القرارات موضوع الجدل، وما إذا كانت هذه الإجراءات تشكل تدخلًا في صلاحيات البلديات أو في اختصاص الجهات المعنية بتنظيم عمل الجمعيات.
فهل تخوّل القوانين اللبنانية محافظ بعلبك–الهرمل التدخل في صلاحيات البلديات وتعيين منسق للجمعيات العاملة في المحافظة؟
بدأ الجدل بعد قرار محافظ بعلبك–الهرمل بشير خضر تعيين منسّق بين المحافظة والجمعيات العاملة ضمن نطاقها. واعتبرت جريدة «الأخبار» أن القرار يثير إشكالية قانونية تتعلق بحدود صلاحيات المحافظ، وذهبت في مقالها، إلى اعتباره قرارًا «يتجاوز صلاحياته» ويكرّس «سلطة موازية لا يعرفها القانون»، معتبرة أن المحافظ تدخل بموجب قراره في صلاحيات البلديات التي يفترض أن تكون صاحبة القرار ضمن نطاقها.
ليردّ المحافظ على ما نشرته الصحيفة، موضحًا أن القرار جاء استجابة لشكاوى ومراجعات من بلديات ومواطنين تتعلق بعدم تكافؤ فرص الاستفادة من بعض المساعدات والمشاريع الإنمائية، وأن عددًا من رؤساء البلديات طلبوا تدخله لتنظيم هذا الملف. وأكد أن مهمة المنسّق تطوعية وتنسيقية ولا تنشئ وظيفة عامة أو تمنحه أي صلاحيات تقريرية أو تنفيذية أو رقابية على البلديات أو الجمعيات.
إلا أن «الأخبار» عادت وردّت في مقالٍ ثانٍ على توضيحات المحافظ، معتبرة أن الحاجة إلى التنسيق أو وجود شكاوى من البلديات لا ينشئ اختصاصًا إداريًا جديدًا، لأن الاختصاص مصدره القانون. وأشارت إلى أن قانون البلديات يمنح المجالس البلدية صلاحيات مباشرة في مجالات تتصل بتحديد حاجات البلدات وأولوياتها والمشاريع المحلية، وبالتالي لا يمكن نقل هذه الصلاحيات إلى المحافظة عبر آلية تنسيقية. كما اعتبرت أن المهام الموكلة إلى المنسّق، ومنها دراسة الحاجات ومتابعة المشاريع ورصد الشكاوى ورفع التقارير، تتجاوز مفهوم التنسيق البحت وقد تشكّل دورًا إداريًا فعليًا يحتاج إلى سند قانوني واضح.
توضيحات محافظ بعلبك–الهرمل
ردًّا على ما نُشر، حصلت "مهارات نيوز" على نسخة كاملة من البيان التوضيحي الصادر عن محافظ بعلبك–الهرمل بشير خضر، والذي أوضح فيه أسباب القرار وطبيعة مهمة المنسّق والأساس القانوني الذي استند إليه.
إذ أوضح أن القرار جاء استجابة لشكاوى ومراجعات متكررة وردت من عدد من البلديات والمواطنين، بشأن عدم تكافؤ الفرص في توزيع بعض المساعدات (خصوصاً الحصص الغذائية)، وعدم وصولها للأسر الأكثر حاجة، إضافة إلى شكاوى من بلديات صغيرة بقيت خارج إطار الاستفادة من المشاريع الإنمائية بسبب ضعف تواصلها مع الجهات المانحة. وقد طلب عدد من رؤساء البلديات أنفسهم تدخل المحافظ لتنظيم هذا الملف وضمان العدالة بين البلدات.
وأكد المحافظ أن مهمة الشخص المكلّف بالتنسيق «تنسيقية بحتة وتطوعية بالكامل»، ولا تنشئ وظيفة عامة، ولا يتقاضى عنها أي راتب أو تعويض من المال العام، ولا تخوّله أي صلاحية تقريرية أو تنفيذية أو رقابية على البلديات أو الجمعيات. دوره يقتصر على تسهيل التواصل وجمع المعلومات ورصد الشكاوى ورفع تقارير للمحافظ، وهو تكليف قابل للتعديل أو الإلغاء بأي وقت، ما ينفي تماماً وصفه بـ"مركز وظيفي جديد".
واستند المحافظ في تبرير قراره إلى الصلاحيات التنظيمية والرقابية المنصوص عليها في المرسوم الاشتراعي رقم 116/1959، التي تخوّله متابعة حسن سير العمل الإداري والتنسيق بين الجهات الرسمية والجمعيات لتحقيق المصلحة العامة، دون أي مساس باستقلالية البلديات التي تبقى، من دون استثناء، الشريك الأساسي في تحديد حاجاتها وأولوياتها.
كما رفض المحافظ توصيف القرار في المقال بأنه «اختراع مركز وظيفي» أو «سطو على الصلاحيات»، معتبرًا أن هذا التوصيف لا يستند إلى واقع القرار ولا إلى أي أثر مالي أو إداري فعلي، بل يعكس التباساً في فهم طبيعة تكليف تنسيقي محدود الغاية والأثر.
وتضمّن بيان المحافظ إشارة إلى أن كاتب المقال هو عضو بأحد مجالس البلديات، وله إشكالية شخصية سابقة مع الموظف المكلّف بمهمة التنسيق، ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى حيادية التغطية وموضوعيتها، ويستدعي من الجريدة توضيح ذلك للرأي العام. وأكدت المحافظة في ختام بيانها احترامها لحرية الإعلام والنقد المسؤول مع التمني بالتحقق من الوقائع قبل نشر أي استنتاجات، واستعدادها الكامل لتقديم أي إيضاحات إلى وزارة الداخلية والبلديات أو أي جهة رقابية مختصة.
ماذا يقول القانون؟
لتحديد ما إذا كان قرار المحافظ يقع ضمن صلاحياته القانونية أم يتجاوزها، تواصلت "مهارات نيوز" مع ثلاثة مختصين لتوضيح الحدود الفاصلة بين الدور التنظيمي والرقابي للمحافظ، وبين الصلاحيات التي يملكها المجلس البلدي في إدارة الشأن المحلي.
يوضح الخبير القانوني الدكتور طوني مخايل في حديثٍ لـ "مهارات نيوز"، أن المرسوم الاشتراعي 116/1959، وبالاستناد إلى النصوص التي أشار إليها المحافظ، لا يمنحه صلاحية عامة لإعادة توزيع المساعدات العينية المقدمة من جمعيات المجتمع المدني إلى البلديات.
ويشير مخايل إلى أن صلاحيات المحافظ، ولا سيما تلك المنصوص عليها في المادة 8، هي صلاحية تنظيم وتنسيق للعمل الإداري بين الدوائر، ولا تكفي بذاتها لإنشاء سلطة على موارد جمعية خاصة أو لاتخاذ قرارات نيابة عن البلديات أو تحديد الأشخاص المستفيدين.
في المقابل، يرى مخايل أن للمحافظ هامشًا في التنسيق والاقتراح، كجمع حاجات البلديات، وإبلاغ الجمعيات بالمناطق الأكثر حاجة، وجمع البيانات، ومعالجة حالات الازدواجية، وعقد الاجتماعات ونقل الشكاوى. فإذا استجابت الجمعية طوعًا وغيرت توزيع مساعداتها، فلا مشكلة من حيث صلاحية المحافظ، طالما أنه لم يفرض عليها قرارًا أو يلزمها بطريقة محددة في توزيع المساعدات.
من جهته، يشرح الناشط الحقوقي والسياسي المحامي علي عباس أن سلطة المحافظ، وفق قانون البلديات، هي بالأساس سلطة رقابية، إضافة إلى صلاحيات المصادقة على بعض الأعمال التي يحددها القانون، لكنه لا يملك صلاحية استحداث وظائف أو أدوار تحل محل الصلاحيات التي تمارسها المجالس البلدية المنتخبة.
ويضيف في حديثٍ لـ "مهارات نيوز"، أن المحافظ، خارج بيروت، يمثل الحكومة والوزارات والإدارات المركزية في نطاق المحافظة، في ظل عدم تطبيق اللامركزية الإدارية بصورة كاملة في لبنان، وبالتالي لا يُفترض أن يحلّ محل البلديات في إدارة العمل البلدي أو الإنمائي المحلي أو في إقامة ترتيبات مع الجمعيات التي تعمل ضمن نطاقها.
ويعتبر عباس أن ما كان يمكن للمحافظ القيام به هو مراقبة مدى التزام البلديات بالقوانين والأصول عند إبرامها اتفاقيات مع الجمعيات، وليس ممارسة صلاحياتها أو الحلول مكانها. وبرأيه، فإن تجاوز هذا الدور يحوّل وظيفة المحافظ من دور رقابي واستشاري إلى دور يمكن أن يؤثر، ولو بصورة غير مباشرة، في القرارات البلدية وقد يرتب أعباء أو آثارًا مالية على خزينة الدولة.
ويلفت عباس إلى خصوصية محافظة بيروت، حيث يتمتع المحافظ بصلاحيات تنفيذية مختلفة بحكم موقعه كرئيس للسلطة التنفيذية في البلدية، بينما تختلف طبيعة صلاحيات المحافظين في سائر المناطق، إذ يتمثل دورهم أساسًا في تمثيل إدارات الدولة وممارسة الرقابة ضمن الحدود التي يحددها القانون.
أما الخبير الدستوري سعيد مالك، فيؤكد لـ "مهارات نيوز"، وجود صلاحيات محفوظة لكل من المحافظ والبلديات، بحيث لا يجوز لأي جهة أن تصادر صلاحية جهة أخرى. وبالتالي إن للبلديات، باعتبارها إدارات محلية منتخبة، صلاحيات محددة نصّ عليها قانون البلديات، ولا يحق للمحافظ مصادرة هذه الصلاحيات أو الحلول محل المجالس البلدية في ممارستها.
وفي ما يتعلق بتكليف منسّق بين المحافظة والجمعيات، يرى مالك أن الإشكالية الأساسية تتمثل في مدى وجود سند قانوني لهذا المنصب أو المهمة. فإذا كان المنصب غير موجود أصلًا ضمن الكادر الوظيفي أو الهيكل الإداري، فإن تكليف شخص بمهمة تحمل طابعًا وظيفيًا قد يثير مسألة قانونية تستوجب التحقق من أساسها وصلاحيات الجهة التي أصدرت القرار.
ويشير مالك إلى أن القرارات الإدارية يجب أن تستند إلى القوانين والأنظمة المرعية الإجراء، وأن القرار الإداري الذي يصدر خلافًا للقانون يمكن الطعن فيه أمام مجلس شورى الدولة، باعتباره الجهة القضائية المختصة بالرقابة على أعمال السلطة الإدارية، وذلك وفق الشروط والمهل والإجراءات التي يحددها القانون.
إذًا، الإشكالية المطروحة صحيحة جزئيًا، فالقوانين لا تمنح المحافظ صلاحية الحلول محلّ المجالس البلدية أو ممارسة اختصاصاتها، فيما تتيح له صلاحيات في الرقابة والتنسيق ضمن حدود القانون. أما تكليف منسق للتواصل مع الجمعيات، فلا يشكّل بحد ذاته تجاوزًا للصلاحيات إذا اقتصر دوره على التنسيق الطوعي ولم يمنحه القرار صلاحيات تقريرية أو تنفيذية. إلا أن قانونية التكليف تبقى مرتبطة بمضمون القرار والصلاحيات الفعلية الممنوحة للمنسق ومدى وجود سند قانوني لها.