غير صحيح
انتشرت في الفترة الأخيرة معلومات عن انخفاض أسعار المواد الغذائية في لبنان خلال الأشهر الماضية، وسط حديث عن تراجع شمل عددًا من السلع الأساسية. لكن هل انعكس هذا الانخفاض فعلًا على الأسعار التي يدفعها المواطن عند التبضّع، في وقت لا يزال فيه كثير من المستهلكين يشكون من ارتفاع كلفة مشترياتهم اليومية؟
في المقابل، برزت آراء معارضة لهذه المعلومات من بعض الخبراء الاقتصاديين، الذين نفوا وجود انخفاض عام في أسعار المواد الغذائية، مشيرين إلى مؤشرات تُظهر استمرار ارتفاعها خلال الأشهر الماضية.
وتأتي هذه المعطيات في ظلّ أزمة أسعار مزمنة في لبنان، تفاقمت بفعل التوترات الأمنية في المنطقة، وما رافقها من ضغوط على الأسواق العالمية وارتفاع كلفة الشحن. وبين المعلومات المتداولة عن انخفاض الأسعار والمؤشرات التي تُظهر استمرار ارتفاعها، تبرز تساؤلات حول المسار الفعلي لأسعار المواد الغذائية ومدى انعكاسه على القدرة الشرائية للمواطنين.
فهل اتخذت أسعار المواد الغذائية في لبنان منحًى تراجعيًا خلال الأشهر الماضية؟
للتحقق من صحة المعلومات المتداولة حول انخفاض أسعار المواد الغذائية في لبنان، تواصلت "مهارات نيوز" مع عدد من الخبراء والجهات المعنية، للاطلاع على المؤشرات المتعلقة بحركة الأسعار خلال الأشهر الماضية، وتحديد العوامل التي تؤثر فيها ومدى انعكاسها على المستهلكين.
في هذا الإطار، يؤكد الخبير في "الدولية للمعلومات" محمد شمس الدين، أنه لا يوجد مسار انخفاضي لأسعار السلع الغذائية في لبنان خلال الأشهر الماضية، بل على العكس، فقد سجّلت ارتفاعًا بمعدل وسطي بلغ 17%.
ويعزو شمس الدين هذا الارتفاع إلى عوامل عدة، أبرزها ارتفاع أجور الشحن وأسعار السلع عالميًا، وزيادة كلفة النقل محليًا، فضلًا عن غياب المنافسة في السوق اللبنانية. ويوضح أن ارتفاع أسعار المحروقات، ولا سيما المازوت المستخدم في تشغيل المولدات الكهربائية والبنزين المستخدم في النقل، يؤدي إلى زيادة كلفة التشغيل والنقل، ما ينعكس بدوره على الأسعار النهائية للسلع التي يدفعها المستهلك.
وللدلالة على حجم هذا الارتفاع، يشير شمس الدين إلى أن السلع التي كان المستهلك يشتريها بمئة دولار باتت تكلّفه نحو 117 دولارًا.
من جهته، يوضح رئيس جمعية حماية المستهلك زهير برو، في حديثه لـ"مهارات نيوز"، أن الجمعية تُعدّ كل ثلاثة أشهر مؤشرًا للأسعار يشمل 140 سلعة وخدمة من السلع والخدمات ذات الاستهلاك اليومي، والتي تشكّل جزءًا أساسيًا من إنفاق العائلات اللبنانية.
ويلفت إلى أن المؤشر سجّل ارتفاعًا في الأسعار بنسبة 19% خلال الفصلين الأول والثاني من العام، فيما يُظهر تقرير الفصل الثالث، الذي لم يُنشر بعد، ارتفاعًا تراكميًا يقارب 25%. وبحسب برو، فإن هذه الأرقام تعكس استمرار الضغوط على المستهلكين، وتؤكد أن مشكلة ارتفاع الأسعار في لبنان لا ترتبط بالعوامل الخارجية وحدها، بل تتصل أيضًا بمشكلات بنيوية في الاقتصاد اللبناني.
وفي هذا السياق، يرى برو أن الاقتصاد اللبناني يعاني من غياب إصلاح اقتصادي حقيقي منذ سنوات طويلة، معتبرًا أن النهج الاقتصادي السائد منذ ما بعد الحرب الأهلية يقوم على قطاعات غير منتجة، تخدم مصالح فئات محدودة من التجار والسياسيين والمصرفيين، على حساب القطاعات الإنتاجية التي كان لبنان يتميّز بها قبل عام 1975.
وزارة الاقتصاد: رقابة على الأسعار وضبط المخالفات
وفي موازاة ما يعرضه الخبراء من مؤشرات على ارتفاع الأسعار، تبرز مسألة الرقابة على الأسواق ومدى التزام التجار بالأسعار، ولا سيما في ظلّ وجود عوامل خارجية قد تؤدي إلى ارتفاع كلفة بعض السلع، من دون أن تنطبق بالضرورة على جميع المنتجات.
وفي هذا الإطار، يوضح المدير العام لوزارة الاقتصاد والتجارة، محمد أبو حيدر، لـ"مهارات نيوز"، أن الوزارة تتابع جميع شكاوى المواطنين المتعلقة بالأسعار، وتسطّر محاضر ضبط بالمخالفات التي ترصدها، وتحيلها إلى القضاء المختص. ويشير إلى أن الرقابة لا تقتصر على نقاط البيع، بل تشمل مختلف مراحل سلسلة الإمداد، بدءًا من المستورد، مرورًا بالتاجر والموزّع، وصولًا إلى نقطة البيع للمستهلك.
ويوضح أبو حيدر أنه عند رصد أي ارتفاع في الأسعار، تعمل الوزارة على التحقق من أسبابه، إذ قد تكون بعض السلع شهدت ارتفاعًا في أسعارها في بلد المنشأ، أو زيادة في كلفة الشحن والتأمين. وعلى هذا الأساس، تُراجع الكلفة لتحديد ما إذا كانت الزيادة في السعر مبرّرة أم لا. لكن أبو حيدر يشدد على أن ارتفاع الكلفة لا يشمل جميع السلع، موضحًا أن بعض التجار قد يستغلون أي تطورات خارجية لرفع الأسعار من دون وجه حق، حتى عندما لا تكون أسعار السلع التي يبيعونها قد ارتفعت في بلد المنشأ.
ويؤكد أن الوزارة أحالت العديد من محاضر المخالفات إلى القضاء المختص، مشيرًا إلى أن مراقبي وزارة الاقتصاد نفّذوا 19,871 زيارة تفتيشية منذ بداية العام، سُطّر خلالها 640 محضر ضبط. ويعرب عن أمله في إقرار قانون حماية المستهلك الجديد، بما يتيح فرض عقوبات أكثر ردعًا بحق من يسعون إلى تحقيق أرباح غير مشروعة.
إذًا، إن المعلومات المتداولة عن انخفاض عام في أسعار المواد الغذائية غير صحيحة، إذ تُظهر المؤشرات التي عرضها الخبراء استمرار ارتفاع الأسعار خلال الأشهر الماضية، خلافًا لما يتم تداوله. فقد أشار محمد شمس الدين إلى ارتفاع بمعدل وسطي بلغ 17%، فيما أظهرت بيانات جمعية حماية المستهلك ارتفاعًا تراكميًا يقارب 25% خلال الفصول الثلاثة الأولى من العام.