صحيح
كثُر الحديث في الأيام القليلة الماضية حول أزمة سوق الإسمنت في لبنان الذي يشهد موجة ارتفاع غير مسبوقة في اسعاره، وسط شكاوى متزايدة من نقص الكميات المعروضة وعمليات احتكار وابتزاز للسوق. ما أثار قلقًا واسعًا لدى المواطنين وقطاع البناء. ويعزو متابعون الأزمة إلى توقّف بعض المقالع والمعامل عن العمل، إضافة إلى صعوبات الاستيراد الناتجة عن ارتفاع التعرفات الجمركية، وارتفاع الطلب المتوقع مع التحضير لورش إعادة الإعمار.
وفي هذا الإطار، عُقد في السراي الحكومي لقاءً جمع رئيس الحكومة نواف سلام بعدد من الشخصيات والناشطين البيئيين، من بينهم النائبة نجاة عون صليبا، لبحث أزمة الإسمنت وملف الاستيراد. ودعا المشاركون إلى فتح باب استيراد الإسمنت بهدف كسر احتكار الشركات وخفض الأسعار، معتبرين أن استمرار احتكار السوق يتعارض مع القوانين ومبدأ العدالة، الذي يضمن حق جميع الجهات في الاتجار بالإسمنت ضمن إطار المنافسة المشروعة.
فهل يُشكل عدم فتح باب الإستيراد لتأمين مادة الإسمنت مخالفة لمبدأ العدالة وقانون المنافسة ؟
في اجتماع السراي عرض المجتمعون دراسة حول واقع قطاع الترابة وتكريس الاحتكار القائم فيه، وفي لقاء مع "مهارت نيوز" تقول النائبة نجاة عون: "عرضنا في الدراسة التي أُعدّت حول ملف الإسمنت أن الاستيراد متاح قانونًا، إلا أن الرسوم الجمركية المرتفعة لا تزال تُشكّل عائقًا أساسيًا أمام فتح السوق أمام المنافسة". مشددة أن التكلفة البيئيّة والصحيّة أعلى من أي تكلفة اقتصادية، وأن حماية الصناعة الوطنية لا يمكن أن تتم على حساب صحّة المواطنين أو سلامة البيئة".
وتساءلت عون حول حجة إعادة الإعمار التي تُستخدم لتبرير تفعيل العمل بمصانع الاسمنت، ففي حال كان الهدف تلبية حاجات السوق المحلية، فلماذا ستُمنح الشركات في التراخيص التي يعملون عليها قدرة تصدير الإسمنت إلى الخارج؟ مضيفة، الطريقة التي تعمل بها الحكومة تُعزز العمل بشركات الاسمنت وعبر التراخيص التي تريد اعطائهم اياها تُعزّز تفتيت الجبال والانبعاثات السامة وبنفس الوقت وبطريقة غير مباشرة تساهم في قتل المواطنين الذين يقطنون المنطقة.
وختمت عون، يجب على الدولة أخذ قرار سريع بتخفيض الرسوم الجمركية بأسرع وقت ممكن ما يفتح باب المنافسة، فما يجري مخالف لمبدأ المنافسة العادلة ويُعطي حصانة واحتكار وامتياز لشركات تتحكم بالسوق والواضح أن مالكي هذه الشركات ليسوا فقط تجار ولكن سياسيين بالخلفية، إذا لم يكن بالملكية ففي المساهمة، ويتحكمون بقرارات بعض الوزراء. وسيساهم فتح باب الاستيراد بالتأكيد بتخفيض السعر الحالي الذي بات يقارب الـ 300 دولار لطن الاسمنت مقابل 91$ كما هو مُسعّر في الدولة.
الحالة القانونية
بالعودة للقراءة القانونية في هذا الواقع يشرح المحامي الدكتور طوني مخايل أن عدم فتح باب استيراد الإسمنت أو وضع عراقيل إدارية أو جمركية تؤدي عمليًا إلى الحد من دخول الإسمنت إلى السوق المحلي قد يشكل مخالفة لأحكام قانون المنافسة اللبناني لعام 2022 إذا كان من شأنه تقييد المنافسة أو التأثير على آليات العرض والطلب. فالقانون يهدف إلى ضمان حرية الأنشطة الاقتصادية وفق قواعد السوق، ويؤكد أن أسعار السلع والخدمات يجب أن تتحدد وفق مبادئ المنافسة (المادة 4).
كما أن عرقلة دخول المنتجات إلى السوق، أو رفض منح التراخيص والإجازات دون مبرر قانوني، أو فرض رسوم غير عادلة، تُعد من الممارسات المخلّة بالمنافسة. وفي قطاع الإسمنت تحديدًا، فإن استمرار سياسات تؤدي إلى حماية شركات الإنتاج المحلية أو تكريس هيمنتها على الإنتاج والتوزيع قد يرقى إلى أعمال احتكارية محظورة إذا أثرت بشكل مباشر أو غير مباشر على السوق أو على توافر المادة اللازمة للإعمار.
ولا يُغيّر عدم تشكيل الهيئة الوطنية للمنافسة حتى الآن من هذا التوصيف القانوني، إذ إن قانون المنافسة يبقى نافذًا وساري المفعول، وتظل بعض أحكامه قابلة للتطبيق بوصفها مبادئ قانونية تشكل إطارًا مُلزمًا لشرعية الأعمال الإدارية ولتطبيق تشريعات حماية المستهلك. وقد أكدت المادة 65 من القانون إلغاء النصوص المتعلقة بالاحتكار والمنافسة غير المنسجمة مع أحكامه، كما نصت على أولوية تطبيق أحكام قانون المنافسة عند التعارض مع القوانين القطاعية فيما يتعلق بقضايا الإخلال بالمنافسة.
إضافة إلى ذلك بحسب مخايل، فإن استمرار سياسات تدعم بصورة فعلية احتكار سوق الإنتاج والتوزيع قد يثير إشكاليات دستورية، باعتبار أن النظام الاقتصادي اللبناني يقوم على مبدأ الاقتصاد الحر، ولأن المادة 89 من الدستور لا تجيز منح امتيازات أو احتكارات إلا بموجب قانون ولمدة محددة. كما قد يصبح استمرار هذه السياسات غير مبرر إذا أدى إلى الإضرار بالمصلحة العامة، أو بقطاع البناء والإعمار، أو تعارض مع متطلبات حماية البيئة.
بدوره المحامي علي عباس يرى بأن سوق الإسمنت في لبنان يشهد أزمة متفاقمة منذ توقف شركة «السبع» عن الإنتاج، ما أدى إلى تراجع حاد في الكميّات المتوافرة في السوق المحلية، بعدما كانت الشركات العاملة سابقًا قادرة على تأمين حاجة السوق والحفاظ نسبيًا على استقرار الأسعار.
أما اليوم، ومع انخفاض الإنتاج إلى ما يقارب النصف، وفي ظل الحاجة المتزايدة إلى مادة الإسمنت، تستغل الشركات المتبقية هذا الواقع لرفع الأسعار وفرض حالة احتكارية تُتيح لها تحقيق أرباح طائلة، بعيدًا عن المعايير والأسعار المعتمدة عالميًا. ويُكرّس هذا الواقع غياب المنافسة الفعلية، في وقت لم يعُد أمام المواطن أيّ بديل آخر للحصول على المادة بسعرها الحقيقي والعادل.
وفي موازاة ذلك، تُعتبر الدولة اللبنانية بحسب عباس ممثلة بمجلس الوزراء والوزارات المعنية، شريكة في تفاقم الأزمة، نتيجة عدم اتخاذ الإجراءات الكفيلة بتسهيل استيراد الإسمنت وفتح السوق أمام المنافسة . ويُنظر إلى هذا التقاعس على أنه مساهمة مباشرة في تكريس الاحتكار والإضرار بالمستهلكين، فضلًا عن توفير بيئة تسمح بتحقيق أرباح غير مشروعة على حساب المواطنين.
ويضيف عباس لـ"مهارات نيوز" بات من الضروري اليوم أن تبادر الوزارات والجهات المعنية إلى اتخاذ خطوات عاجلة لمعالجة أزمة الإسمنت، في ظل الارتفاع الكبير في الطلب، وتراجع الكميات المتوافرة في السوق، وما نتج عن ذلك من ارتفاع غير مسبوق في الأسعار. فالواقع الحالي يفرض البحث عن بدائل عملية من شأنها تخفيف الأعباء عن المواطنين والقطاعات الإنتاجية، وتعزيز المنافسة في سوق الإسمنت، أسوة بباقي القطاعات الاقتصادية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات فتح باب استيراد الإسمنت وتخفيف الرسوم الجمركية المفروضة عليه، بما يساهم في كسر الاحتكار وإعادة التوازن إلى الأسعار.
إذًا صحيح أن عدم فتح باب الإستيراد أو عرقلته اجراءيا لتأمين الإسمنت يفرض حالة احتكارية ويكرّس بالتالي مخالفة مبدأ العدالة وقانون المنافسة الذي يؤكد أن أسعار السلع والخدمات يجب أن تتحدد وفق مبادئ المنافسة، كما تثير هذه السياسات علامات استفهام دستورية، إذ إن الدستور اللبناني لا يُجيز منح أي امتيازات أو احتكارات إلا بموجب قانون واضح ولمدة زمنية محددة.