غير صحيح
ورد في مقال صحافي ما اعتُبر مخالفة قانونية تتعلق بقرار مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية شراء سيارتين جديدتين باستخدام أموال متبقية من منحتين ممولتين من الاتحاد الأوروبي. ووفقًا لما نشرته الصحيفة، فقد أحالت وزارة الزراعة إلى مجلس الوزراء طلب المصلحة شراء السيارتين تحت عنوان تعرّض سيارات المصلحة للأعطال وارتفاع كلفة صيانتها، مبررة ذلك بالحاجة إلى تأمين وسيلة تنقّل للمدير العام للقيام بزيارات دورية إلى محطات المصلحة في البقاع، والمشاركة في الاجتماعات والمهام الرسمية خارج مقر المؤسسة.
وبحسب الصحيفة، استند الطلب إلى أن عملية الشراء لن ترتب أي أعباء على الخزينة العامة، على اعتبار أن تمويلها سيتم من الأموال المتبقية في عقد المنحة رقم 2112 الموقّع بين المصلحة والاتحاد الأوروبي لتنفيذ مشروع "Her Mountain"، والتي تبلغ نحو 40 ألف يورو، إضافة إلى مبلغ مماثل متبقٍ من بند النفقات العامة في عقد المنحة الخاص بمشروع "ACQUAOUNT".
فهل يُجيز القانون للإدارات العامة استخدام الأموال المتبقية من المنح التي تتلقاها لتمويل نفقات أخرى تخدم الإدارة؟
تنظم المادة 52 من قانون المحاسبة العمومية آلية قبول الهبات وعليه تُقبل بمرسوم يصدر بناءً على اقتراح الوزير المختص ووزير المالية الهبات النقدية والعينية التي يقدمها للدولة الأشخاص المعنويون والحقيقيون إذا كانت قيمتها لا تتجاوز 250.000.000 ليرة لبنانية. بالمقابل، تُقبل بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء الهبات النقدية و/أو العينية التي يقدمها للدولة الأشخاص المعنويون والحقيقيون إذا كانت قيمتها تتجاوز 250.000.000 ليرة لبنانية.
وتقيد الهبات النقدية الواردة للخزينة اللبنانية في قسم الواردات من الموازنة وإذا كانت لهذه الهبات وجهة انفاق معينة فتحت لها وفقًا للأصول اعتمادات بقيمتها في قسم النفقات.
اذًا فالقانون يوضح أن للهبات عادة وجهة انفاق محددة تنظم طريقة إدارة أموالها. وبحسب مصدر قضائي لـ "مهارات نيوز" فالأصل القانوني يقضي بعدم جواز التصرف بالأموال الناتجة عن الهبات أو المنح أو المساهمات إلا ضمن وجهة الإنفاق التي خُصصت لها. فإذا كانت الهبة أو المنحة مقترنة بهدف محدد، فإن الإنفاق خارج هذا الهدف يُعد مخالفًا للأصول القانونية، ولا يجوز إلا بعد تعديل الإطار القانوني الذي حدد وجهة الإنفاق، بعد الحصول على موافقة الجهة المانحة.
كما أن تغيير وجهة إنفاق الأموال المخصصة لا يتم بقرار إداري، بل يتطلب اتباع الإجراءات القانونية المناسبة بحسب الأداة التي أُقرت بموجبها. فإذا كانت الأموال مرتبطة بقانون، كما في بعض القروض أو الهبات التي أقرها مجلس النواب، فإن تغيير وجهة الإنفاق يستوجب تعديل القانون. أما إذا كانت مقبولة بموجب مرسوم حكومي، فيتعين تعديل المرسوم، إضافة إلى الحصول على موافقة الجهة المانحة. وأي تصرف بالأموال خلافًا لهذه الأصول يشكل مخالفة قانونية.
ما سبق تؤكده مصادر وزارة المالية التي أوضحت لـ "مهارات نيوز" أن الأموال المتأتية من المنح أو الهبات التي تُمنح للإدارة العامة لغاية محددة تكتسب صفة التخصيص، ولا يجوز استعمالها أو إعادة توجيهها لتمويل نفقات أو مشاريع أخرى، ولو كانت تخدم الإدارة نفسها، إلا في الحدود التي تجيزها شروط المنحة أو بموافقة صريحة من الجهة المانحة، وبعد استكمال الأصول القانونية والمالية المرعية الإجراء.
ويستند هذا الرأي إلى أحكام قانون المحاسبة العمومية، ولا سيما المادة (52) منه التي كرست مبدأ تخصيص الأموال ذات الوجهة المحددة، وإلى مبدأ تخصيص الاعتماد الذي يحول دون استعمال الأموال العامة في غير الغاية التي رُصدت لها، فضلًا عن وجوب احترام شروط الجهة المانحة التي تشكل جزءًا لا يتجزأ من الإطار القانوني الناظم للمنحة.
وعليه، فإن أي تصرف بالأموال المتبقية من المنحة خلافًا للغاية التي خُصصت لها، ومن دون سند قانوني أو موافقة الجهة المانحة، يشكل مخالفة لأحكام قانون المحاسبة العمومية ولمبدأ مشروعية الإنفاق العام، ويعرّض الإدارة للمساءلة القانونية.
أدوار ديوان المحاسبة الرقابية
في ما يتعلق بأدوار ديوان المحاسبة الرقابية في هذا الإطار، فديوان المحاسبة لا يتدخل في قرار قبول الهبات أو المنح، إذ تعود صلاحية القبول إلى مجلس الوزراء عندما يتم ذلك بموجب مرسوم، وإلى مجلس النواب عندما يكون القبول بقانون.
أما دور الديوان فيبدأ في مرحلة الإنفاق، باعتبار أن أموال الهبات والمنح تصبح أموالًا عامة بعد إدراجها في الموازنة. وتخضع الجهات الإدارية المشمولة برقابته، ولا سيما الوزارات، للرقابة المسبقة على معاملات الإنفاق، بحيث تُعرض عليه معاملات التلزيم بعد أن تتجاوز سقوف مالية محددة قانونًا قبل مصادقة الوزير المختص عليها.
وفي حال رُصدت أيّة مخالفات أثناء ممارسة الرقابة، تُتخذ الإجراءات القانونية المناسبة، بما في ذلك إبلاغ النيابة العامة المختصة والادعاء أمام الغرفة المختصة في الديوان عند الاقتضاء.
كما أن بعض المؤسسات العامة لا تخضع للرقابة المسبقة للديوان، إنما لرقابة لاحقة فقط، وفي حال ثبوت مخالفات مالية أو إدارية، يمكن ملاحقة المسؤولين عنها أمام ديوان المحاسبة. كما يوجد للديوان دورًا استشاريًا، إذ يمكنه إبداء الرأي القانوني بناءً على طلب سلطة الوصاية في المسائل الداخلة ضمن اختصاصه.
اذًا وبناء على ما سبق فإجابة السؤال هل يُجيز القانون للإدارات العامة استخدام الأموال المتبقية من المنح التي تتلقاها لتمويل نفقات أخرى تخدم الإدارة، غير صحيح. فعمومًا تخضع الأموال المتأتية من المنح والهبات المخصصة لغرض محدد لمبدأ تخصيص الإنفاق، ما يحول دون استخدامها في تمويل مشاريع أو نفقات أخرى، حتى وإن كانت مرتبطة بعمل الإدارة العامة نفسها، إلا وفقًا لشروط المنحة أو بعد موافقة الجهة المانحة واستكمال الأصول القانونية والمالية اللازمة.