Loading...
halftrue

صحيح جزئياً

22E44343243d6e754acce6a13608e6f7 1024 576
هل يراعي قرار وزيرة التربية إجراء ثلاث دورات لامتحانات الثانوية العامة مبدأ العدالة التربوية وتكافؤ الفرص بين الطلاب؟
04/06/2026

أثار قرار وزيرة التربية إجراء ثلاث دورات لامتحانات الثانوية العامة نقاشًا واسعًا في الأوساط التربوية وبين الأهالي والطلاب. ففي حين ترى الوزيرة أنه يوفّر فرصًا إضافية للطلاب ويعزز إمكانية تعويض الخسائر التعليمية وتحسين فرص النجاح، يعتبر معارضوه أنه قد لا يحقق العدالة التربوية المنشودة في ظلّ التفاوت الكبير في الظروف التعليمية والاقتصادية والأمنية بين المناطق اللبنانية. 

 

وتزايد الجدل حول هذا القرار مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان وما تفرضه من تحديات على العملية التعليمية وسلامة الطلاب. وقد أعادت حادثة مقتل الطالبة في الجامعة اللبنانية ثيودوسيا كرم مع والدها وشقيقها إثر استهداف سيارتهم بغارة إسرائيلية أثناء عودتهم من تقديم الامتحانات إلى بلدتهم القليعة في جنوب لبنان، طرح تساؤلات حول مدى قدرة الدولة على ضمان حق جميع الطلاب في التعلّم والتقدّم إلى الامتحانات في ظروف آمنة ومتساوية. وفي هذا السياق، يبرز التساؤل حول ما إذا كان إجراء ثلاث دورات امتحانية يشكّل استجابة عادلة لمختلف أوضاع الطلاب، أم أنه قد يعكس تفاوتًا قائمًا في فرص الاستفادة من هذا الإجراء بين منطقة وأخرى. 

 

فهل يراعي قرار وزيرة التربية إجراء ثلاث دورات لامتحانات الثانوية العامة فعلًا مبدأ العدالة التربوية وتكافؤ الفرص بين الطلاب؟

 

تواجه وزارة التربية ضغوطًا متزايدة لإلغاء الامتحانات الرسمية أو تأجيلها، في مقابل تمسّك الوزيرة ريما كرامي إلى الآن بإجرائها في التاسع والعشرين من حزيران الجاري، مع فتح ثلاث دورات، في صيغة تعتبرها الأنسب للطلاب المتضررين من الحرب والنزوح.

 

وتوضح الوزيرة في تعميم أصدرته، أن هذا الإجراء يأتي استنادًا إلى قرار مجلس الوزراء رقم 62 الصادر في 22 أيار 2026، والذي أقرّ تدابير استثنائية لإجراء الامتحانات الرسمية لشهادة الثانوية العامة بفروعها الأربعة خلال العام الحالي.

 

وتشير إلى أن اعتماد ثلاث دورات متتالية يهدف إلى مراعاة مقتضيات العدالة التربوية والفوارق في أوضاع الطلاب، وتمكين أكبر عدد ممكن منهم من التقدم إلى الامتحانات رغم الظروف المختلفة التي قد تحول دون مشاركتهم في مواعيد محددة، بما يضمن شمول جميع المرشحين وتعزيز مبدأ تكافؤ الفرص والإنصاف والمساواة بين الطلاب في مختلف المناطق اللبنانية.

 

وتؤكد أن الهدف من القرار هو منح الطلاب والطالبات فرصة متساوية للتحضير للامتحانات واختيار الدورة التي تناسب ظروفهم واستعدادهم، سواء كانت الدورة الأولى أو الثانية، مع تشديدها على حقهم الكامل في اتخاذ هذا القرار بحرية.

 

وفي حديثٍ لـ "مهارات نيوز"، يقول المستشار الإعلامي لوزيرة التربية والتعليم العالي ألبير شمعون، إنّه لا يوجد أي توجّه حاليًا لإلغاء الامتحانات الرسمية، وأنّ موعدها لا يزال يفصلنا عنه نحو شهر، وأنّ أي قرار مرتبط بالوضع الأمني سيُتخذ بالتنسيق مع السلطات الأمنية المختصة في حال طرأت تطورات تستدعي ذلك.

 

ويوضح شمعون أنّ النظام المعتمد يمنح الطلاب مرونة إضافية، إذ يمكن لأي طالب غير جاهز للتقدّم إلى الدورة الأولى أن يسجّل عبر مدرسته في الدورة الثانية، ما يتيح له عمليًا فترة إضافية تقارب شهرًا للتحضير، لتصبح الدورة الثانية بمثابة فرصته الأولى.

 

ويؤكد أنّ مراكز الامتحانات لن تكون في المناطق الخطرة، وأن الوزارة وضعت بدائل وخططًا استثنائية للمناطق التي قد تواجه صعوبات أمنية أو لوجستية، ويشير إلى أنّ اعتماد ثلاث دورات هو بحدّ ذاته تدبير استثنائي يهدف إلى مراعاة الظروف الحالية ومنح كل طالب فرصة اختيار الموعد الذي يناسبه.

 

ويلفت إلى أنّ مواعيد الدورات المحددة حالياً هي: الدورة الأولى في 29 حزيران، والدورة الثانية في 27 تموز، فيما من المقرر أن تُعقد الدورة الثالثة مبدئيًا في منتصف أيلول، مع إمكانية تعديل هذا الموعد عند الحاجة.

 

ويختم شمعون بالتأكيد على أنّ البلاد تمر بظروف استثنائية، وأن هدف الوزارة هو توفير أكبر قدر ممكن من الفرص أمام الطلاب لإجراء الامتحانات الرسمية والحصول على شهاداتهم رغم التحديات القائمة.

 

اعتراضات تربوية وأمنية 

في المقابل، لا تحظى هذه المقاربة بإجماع داخل الأوساط التربوية، إذ ترى جهات معنية بالملف أن تعدد الدورات لا يبدد الهواجس المرتبطة بالسلامة والعدالة التربوية، بل قد يطرح إشكاليات إضافية تتعلق بتكافؤ الفرص بين الطلاب. 

 

إذ قدّمت لجنة التربية والتعليم العالي النيابية توصيَّة خطيَّة إلى الوزيرة تضمنت المقترحات والهواجس والمخاوف التربوية واللوجستية والأمنية المستخلصة من اللقاء التشاوري التربوي الطارئ الذي عقدته اللجنة برئاسة رئيس اللجنة النائب حسن مراد وبحضور وزيرة التربية والتعليم العالي الدكتورة ريما كرامي وعدد من النواب.

 

وترى اللجنة أن الآلية المقترحة لا تجيب بصورة كافية على المخاوف المتعلقة بسلامة الطلاب في ظلّ العدوان الإسرائيلي المتواصل، ولا تراعي بشكل كافٍ العدالة التربوية وتكافؤ الفرص بين الطلاب، فضلًا عن الصعوبات اللوجستية المرتبطة بمراكز الامتحانات وظروف النزوح والتنقل.

 

كما تشير اللجنة إلى تلقيها اعتراضات ومخاوف من اتحادات لجان الأهل والطلاب وروابط الأساتذة، لا سيما أن بعض المراكز المقترحة للامتحانات تعرضت لتهديدات أمنية وإخلاءات في الفترة الأخيرة، إضافة إلى تزامن موعد الدورة الأولى مع مرحلة حساسة أمنيًا.

 

وتعتبر اللجنة أن الأسباب نفسها التي استندت إليها وزارة التربية لإلغاء امتحانات الشهادة المتوسطة (البريفيه)، والمتمثلة بغياب العدالة التربوية نتيجة تفاوت الظروف التعليمية وصعوبة ضمان الحدّ الأدنى من السلامة العامة للطلاب، ما زالت قائمة بالنسبة إلى طلاب الشهادة الثانوية.

 

وتوصي اللجنة بتأجيل الامتحانات الرسمية (وليس إلغاءها) إلى موعد يحدد لاحقًا بعد اتضاح الوضع الأمني الخطير. وفي حال تعذر ذلك، اعتماد دورة واحدة لجميع اللبنانيين تبدأ اعتباراً من 12 تموز، كحل وسط يراعي الشفافية ويحد من المخاطر والصعوبات اللوجستية، على أن يتم تنظيم دورة استثنائية تكميلية عند الحاجة في منتصف شهر آب.

 

في السياق نفسه، يقول مقرّر لجنة التربية النيابية النائب إدغار طرابلسي، في حديثٍ لـ "مهارات نيوز"، إن التطورات الأمنية المتسارعة تفرض على الدولة تحمّل مسؤولياتها واتخاذ قرار واضح بشأن الامتحانات الرسمية، داعيًا رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام إلى حسم هذا الملف في ضوء المخاطر القائمة، ومتسائلًا عمّن سيتحمّل مسؤولية أي أذى قد يطال الطلاب أثناء تنقّلهم إلى مراكز الامتحانات.

 

ويضيف أن المستجدات الأمنية الأخيرة تجاوزت حتى ما أوصت به اللجنة، ما يستدعي اتخاذ قرار جريء ومسؤول بتأجيل الامتحانات الرسمية أو إلغائها إذا اقتضت الضرورة، أسوة بما قامت به وزارة التربية الفرنسية في بعض الدول، معتبرًا أن سلامة الطلاب يجب أن تبقى الأولوية المطلقة.

 

ويرفض طرابلسي دعوة وزارة التربية للنواب إلى التوجه نحو المجلس النيابي لإصدار قانون يُعدّل أو يُلغي الامتحانات الرسمية، ويعتبر أن ذلك يشكّل محاولة للتنصّل من المسؤولية. ويؤكد أن تنظيم الامتحانات الرسمية أو تعديلها أو إلغاءها يندرج ضمن الصلاحيات الحصرية للسلطة التنفيذية، ويتم بمرسوم يصدر عن مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير التربية، من دون الحاجة إلى أي تشريع نيابي، كما حصل سابقًا عند إلغاء شهادة البريفيه.

 

ويشير إلى أن الوزارة خالفت الأصول الدستورية والإدارية عندما أصدرت التعميم رقم 33 المتعلق بآلية الامتحانات قبل نيل موافقة مجلس الوزراء عليها بأسبوع كامل، ما اعتبره تجاوزًا لصلاحيات الحكومة مجتمعة.

 

ويجدّد طرابلسي مطالبة لجنة التربية النيابية بتأجيل الامتحانات إلى حين اتضاح المشهد الأمني، أو اعتماد دورة واحدة موحدة اعتبارًا من منتصف تموز، بما يراعي الظروف الاستثنائية ويؤمّن حماية الطلاب والمعلمين والعاملين في القطاع التربوي.

 

ويختم بالتشديد على أن سلامة الطلاب ليست موضع تجارب أو رهانات، وعلى وزارة التربية تحمّل مسؤولياتها واتخاذ قرار فوري يراعي المصلحة العامة. ويؤكد أن لجنة التربية ستواصل أداء دورها الرقابي والدستوري لحماية العام الدراسي وأرواح الطلاب. كما يوجّه سؤالًا مباشرًا إلى وزيري الدفاع والداخلية حول مدى قدرة الأجهزة المعنية على ضمان سلامة الطلاب والأهالي والمعلمين ومراكز الامتحانات في المواعيد المعلنة حاليًا.

 

من جهته يرى عضو اللجنة التربوية النيابية النائب أشرف بيضون، أن جوهر الاعتراض على آلية الامتحانات المطروحة يتمثل في مسألتي العدالة التربوية والمساواة بين جميع الطلاب، ويشدّد على ضرورة أن تتوافر فرص متكافئة للمرشحين في مختلف المناطق والظروف.

 

ويتساءل في حديثٍ لـ "مهارات نيوز"، عن الجدوى الفعلية للدورة الثالثة، في حال أُجريت مطلع أيلول وانتهت عمليات التصحيح وإصدار النتائج في أواخر الشهر نفسه، في وقت تكون فيه الجامعات قد بدأت عامها الدراسي منذ مطلع أيلول، ما يفقد هذه الدورة جزءًا كبيرًا من قيمتها العملية بالنسبة للطلاب.

 

كما يشير إلى وجود تحديات لوجستية ومخاوف مرتبطة بالسلامة العامة للطلاب، كما وأن قرار إلغاء امتحانات الشهادة المتوسطة استند أساسًا إلى عدم القدرة على تأمين الحدّ الأدنى من السلامة للمرشحين. ويضيف أنه إذا كانت هذه الاعتبارات لا تزال قائمة، فمن الضروري اعتماد مقاربة موحدة تقوم إما على تأجيل الامتحانات إلى موعد أكثر ملاءمة، أو الاكتفاء بدورة واحدة لجميع الطلاب بما يضمن الحدّ الأدنى من العدالة والإنصاف.

 

ولا تقتصر هذه التحفظات على لجنة التربية النيابية، بل تتقاطع معها مواقف عدد من ممثلي الأهالي الذين يبدون بدورهم مخاوف من انعكاسات القرار على وحدة الاستحقاق التربوي وسلامة الطلاب.

 

إذ تقول رئيسة اتحاد لجان الأهل في المدارس الخاصة، لمى الطويل، في حديثٍ لـ"مهارات نيوز"، إن الأهالي يطالبون باعتماد دورة امتحانية واحدة لجميع الطلاب، على اعتبار أن الامتحانات الرسمية تشكّل استحقاقًا وطنيًا لا يجوز تجزئته أو تقسيمه عبر تعدد الدورات، لما قد يسببه ذلك من شرذمة للجسم التربوي.

 

وتشدّد الطويل على ضرورة وضع خطة أمنية واضحة تضمن سلامة جميع التلاميذ خلال فترة الامتحانات، وتؤكد أن الأهالي يضعون أمن أبنائهم في مقدمة أولوياتهم. كما تحمّل وزيرة التربية وجميع المسؤولين الذين أيدوا قرار اعتماد ثلاث دورات مسؤولية أي أذى قد يتعرض له الطلاب نتيجة الظروف الأمنية القائمة.

 

إذًا، الإشكالية المطروحة صحيحة جزئيًا، فوفق المعطيات الواردة في هذا التقرير، فإن قرار اعتماد ثلاث دورات للامتحانات الرسمية لا يثبت بصورة قاطعة تحقيق العدالة التربوية وتكافؤ الفرص بين جميع الطلاب. فبينما تستند وزارة التربية إلى مبدأ توسيع الفرص ومراعاة اختلاف الظروف، تشير الاعتراضات التربوية والأمنية واللوجستية إلى استمرار عوامل تفاوت قد تؤثر في قدرة جميع الطلاب على الاستفادة من هذه الدورات على قدم المساواة، ما يجعل الادعاء محلّ نقاش وخلاف بين الجهات المعنية.