Loading...
هل تكون IMPACT أول خطوة نحو الحكومة الإلكترونية والحوكمة الرشيدة؟

 

خلال جائحة كورونا، تعرّف غالبية اللبنانيين على منصّة IMPACT، ما جعل كثر منهم يعتقدون أنّ دورها يقتصر على نيل أذونات الخروج خلال الإقفال العام أو تسجيل الأسماء لتلقي اللقاحات. لكنّ ما يجهله هؤلاء أنّها المنصة الأولى للحكومة الإلكترونية في لبنان. 

 فمن أنشأ هذه المنصة وما هي آلية عملها؟ من الجهة الضامنة لسير عملها وحوكمتها ومراقبة شفافيتها في بلد يحتل، وفق قاعدة بيانات الأمم المتحدة لمؤشر تطوير الحكومة الإلكترونية لعام 2020، المرتبة 127 من أصل 193 دولة، بينما تتصدّر الدنمارك القائمة؟ 

أطلق التفتيش المركزي، وهو جهاز رقابي محوري للإدارة العامة في لبنان،  منصة IMPACT في الخامس من آذار 2020، وسُجّلت في 16 حزيران 2020 كأوّل منصة إلكترونية تملكها الدولة اللبنانية، مشتركة بين الوزارات والبلديات من أجل التقييم والتنسيق والمتابعة، وبوصفها أداة للإدارة والرقابة.

ويرتكز عمل التفتيش المركزي، وفق المادة الثانية من المرسوم الاشتراعي رقم 115، على تحسين العمل الإداري والتنسيق بين مختلف الإدارات والوزارات من أجل مشاريع مشتركة وإجراء الرقابة على مختلف الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات.

وتحقيقاً لهذه الغاية، وُجدت منصة IMPACT، بحسب ما يشرح رئيس التفتيش المركزي جورج عطيّة لـ"مهارات نيوز". ويقول "ظهر لنا في التفتيش المركزي ضيق قدرتنا التفتيشية بسبب العدد الخجول للمفتشين، وأصبح من المستحيل إجراء الرقابة اللازمة. ونظرًا إلى خبرات بلدان أخرى أظهرت نموذجًا فعّالًا في الرقابة، تبين أن الرقابة الحقيقية هي عبر إدارة المخاطر التي تتمثل بالرقابة الوقائية، أي القيام بالرقابة المسبقة للسيطرة على أي خلل محتمل في المستقبل بدلًا من صرف الوقت على التحقيق بعد وقوع الفاجعة لمعرفة المفتعل".

وانبثقت المنصة، وفق عطية، من مشروع يُدعى "GOAL"، بدأ التفتيش المركزي كتابته عام 2017، انطلاقاً من أربعة أسس، هي استراتيجية الرقابة وعناصرها، مؤشرات الأداء الرئيسية لتقييم أداء الإدارات، العمل وفق معايير عمليات التدقيق الدولية وأداة لإدارة الرقابة. وقدمت كل من الحكومة البريطانية ومؤسسة خبراء فرنسا ووزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية بالتعاون مع خبراء أجانب، التمويل والخبرات والنصائح والقدرات اللوجستية اللازمة لبناء أعمدة هذا المشروع.

وبعدما كان من المفترض أن يبصر النور في تشرين الثاني 2019، قبل أن يتم تأجيله بسبب الأوضاع المحليّة آنذاك، وفق عطية، تبيّن "مع انتشار وباء كوفيد-19 أنّ ثمّّة حاجة ماسة إلى منصة إلكترونية  للتشبيك والتنسيق بين الإدارات والوزارات والمؤسسات العامة والبلديات وحتى المواطن، من جهة، ولإجراء الرقابة عن بعد بسبب الحجر الذي فرضته الجائحة وعدم تمكننا من المتابعة عن قرب من المراكز الإدارية، من جهة ثانية".

وتشدّد مديرة معهد باسل فليحان لميا مبيّض على "أن IMPACT هي خطوة  نحو إشراك المواطن في عملية الرقابة، إذ أصبحت لديه القدرة على معرفة مصدر المساعدات التي يحصل عليها وآلية تساعد على حمايته من الوباء ومنصّة تعرّفه على القرارات كافة الصادرة عن الدولة الآن وسابقًا".

في لبنان، تُعدّ ظاهرة فريدة من نوعها رؤية الإدارات العامة ومؤسساتها كافة مجتمعة في مكانٍ واحد للتنسيق والعمل معًا، عبر أداة تحترم العمل الإداري التسلسلي والرقابة التسلسلية وبمراقبة دائمة من قبل التفتيش المركزي. إضافةً إلى اعتبار المواطنين شركاء في الرقابة، عبر توفير المنصة حق الوصول إلى المعلومات والبيانات المختصة بالشؤون العامة والاجتماعية  لأي مواطن.

ومن أبرز ما حقّقته المنصة وتحقّقه حالياً:

 

 

تنسيق صحّي 

أصبح بإمكان البلديات المسجلة عبر المنصة، نشر قراراتها واحتياجاتها كافة. إضافةً إلى ذلك، بات بإمكانها في ظل الوضع الصحي الحالي، التنسيق مع الصليب الأحمر لتلبية المواطنين الذين يحتاجون إلى ماكينات أوكسجين عبر توفر قائمة بيانات لدى الصليب الأحمر يعلم من خلالها حاجات البلدية من معدات طبية وأجهزة تنفس.

وتم الربط والتنسيق ما بين المختبرات ووزارة الصحة،  التي تتلقى نتائج فحوص PCR عبر المنصة، ، وترسلها بدورها إلى وزارة الداخلية. وترسل الأخيرة النتائج وفق المناطق إلى البلديات، لتتمكن من رصد المصابين ومتابعة عملية حجرهم.

ويوضح عطيّة أنه "طلب من وزارة الصحة، استخدام IMPACT للتلقيح وعبّرت وقتها عن استعدادها لاستخدامها من أجل الشفافية والمصداقية ولتطبيق الاستراتيجية الموضوعة للتلقيح". وهكذا بات كل مواطن قادراً على تلقي اللقاح في الموعد المحدّد وأخذ الجرعة الثانية واستلام سجل صحي يؤكد تلقيه  اللقاح ضمن شفافية تامة توفّرها المنصة.

ويسعى القائمون على المنصّة إلى المساهمة في تحقيق العدالة الاجتماعية وإعادة الثقة بين المواطن والدولة. حتى الآن، تلّقح ما يقارب 60 ألف مواطن تقريبًا، 40 ألفاً منهم من كبار السن و20 ألفا من الطواقم الطبية والصحيّة. وتم إعادة إدخال كل من تلقى اللقاح خارج إطار المنصة والمواعيد.

منع التلاعب 

وتمّ كذلك استخدام المنصة من أجل توفير مساعدات بقيمة 400 ألف ليرة للعائلات الأكثر فقرًا، التي أقرّتها وزارة الشؤون الاجتماعية، عوضاً عن توزيعها بشكلٍ عشوائي، وفق ما يلفت عطية.

وبادر المواطنون إلى تعبئة الاستمارات بأنفسهم عبر المنصة، تحت إشراف البلديات، أو بمساعدة من المخاتير والبلديات والقائمقامين في  حال عدم توفر الإمكانات التكنولوجية، لتعبئة الاستمارة لهم  عبر المنصة. 

ومن أهمية اعتماد المنصة في هذا الإطار، وفق عطية، أنّه "لا يمكن لأحد التلاعب كونها تعمل وفق مراقبة رقمية وذكاء اصطناعي عالٍ. والمعلومات التي جرى إدخالها أكثر من مرّة (Duplicates) تُحذف تلقائيًا من البرنامج، لضمان عدم تلقي الشخص المبلغ المالي أكثر من مرّة، وهكذا يمكننا المراقبة للحدّ من هدر المال العام".

رقابة تسلسلية

يشير تنظيم الإدارات العامة 111، إلى أنه لدى الوزارات دوراً تفتيشياً ضمن نطاق عملها، والرقابة ضمن إطار وزارتها عملًا بما يعرف بالتسلسل الإداري. لذا، من الأساسي أن يكون للوزارات كافة حسابات على المنصة، لأن من مسؤولية الوزارات، بحسب القانون، التفتيش والمراقبة الداخلية. وفي حال تبيّن أي خلل ضمن إدارتها تستدعي التفتيش المركزي وتحيل إليه أمر التفتيش، وهذا ما يعرف بالرقابة التسلسلية وتفعيل دور الإدارات وعملها.

ويشرح عطيّة "أصبح لكل من وزارة الداخلية مثلًا حساباً (Dashboard) على IMPACT، تراقب من خلالها عمل المؤسسات ضمنها، كما يمكن  للقائمقام أيضًا مراقبة عمل البلديات والتأكد من التزامها بالقرارات الصادرة عن الوزارة، إضافةً إلى كل أعمالهم وتحركاتهم".

ويمكن للتفتيش المركزي في هذه الحال معرفة عدم تجاوب أي إدارة أو وزارة عبر تفعيل حساباتها من خلال إشعارات ترسلها المنصة عن عدم تعاون الإدارات. 

أخيراً، إذا كان المواطن قد تعرّف إلى المنصة من خلال طلب أذونات الخروج أو التسجيل لتلقي اللقاح، إلا أنّ المتوقّع منها أكثر بكثير، لا سيّما أنّها تتيح للإدارات كلها الوصول إلى كل مواطن في منزله.

ويقول عطية "لاحقًا سيكون المواطن قادرًا على إجراء كل معاملاته الرسمية وهو في منزله عبر المنصة. هذا ما نحلم به جميعًا". 

ويتحدّث عطية عن ضغوط سياسية وحملات تشويه من أجل عرقلة العمل، مؤكداً في الوقت ذاته أن التفتيش المركزي سيبقى "سلطة رقابية مستقلة بعملها، وغير تابعة لأي جهة سياسية".

وتوضح مبيّض أن السلطات حاولت عرقلة عمل المنصة عبر التشكيك بشروط خصوصيتها وأمان حفظ المعلومات الموجودة عليها، عبر تشكيل مجلس الوزراء لجنة للتحقّق من تسجيلها وسبب وجود الخوادم (Servers) في ألمانيا بدلًا من تواجدها في بيروت، خشية  من إمكانية تعرضها للاختراق. 

وتشدّد بدورها على أن التفتيش المركزي يتمتع بصلاحية كاملة لإجراء أي تعديل على نظام المنصّة لأنه يمتلك شفرات المصدر (Source codes) على عكس المنصّات الأخرى والصفحات الإلكترونية التابعة للمؤسسات الحكومية التي تعتبر غير آمنة". 

ومع تحوّل معظم الدول إلى التخزين (Cloud) والحكومات الإلكترونية، وبعد وضع التفتيش المركزي أول حجر أساس نحو الحكومة الإلكترونية وحق الوصول إلى المعلومات عبر منصة IMPACT، تثار تساؤلات عدّة حول  سبب تلكؤ السلطات المعنية ومحاولاتها عرقلة عملها، عوضاً عن دعمها المطلق من باب الحرص على الشفافية والحوكمة الرشيدة فيما تشهد البلاد أسوأ أزماتها الاقتصادية والمالية وتحتاج بالدرجة الأولى إلى إعادة بناء الثقة مع المواطن.

TAG : ,حكومة إلكترونية ,الحوكمة الرشيدة ,IMPACT ,حق الوصول للمعلومات ,OPEN DATA ,رقابة ,تفتيش مركزي ,تفتيش ,تنشيق