Loading...
مفاوضات ترسيم الحدود البحرية تعود ولكن بخلافات داخلية

 

يعرقل نزاع ترسيم الحدود البحرية القائم بين لبنان والعدو الإسرائيلي عملية التنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية اللبنانية، التي تعتبرها الدولة اللبنانية حاجة ملحة في ظل التردي المالي والاقتصادي الذين تشهدهما البلاد، خصوصًا الرقعة رقم 9 التي لزّمت خلال الدورة الأولى للتراخيص عام 2017 مع الرقعة رقم 4 إلى تجمع شركات ENI-TOTAL-NOVATEK ولكن مفاعيل النزاع أثر على عمل التجمع كون الرقعة رقم 9 تقع ضمن المنطقة المتنازع عليها الممتدة بين الخطة رقم 1 والخطة 23.

 

فأين أصبحت مفاوضات ترسيم الحدود بين لبنان واسرائيل؟ وهل هناك من رقع تستغلها اسرائيل وهي يجب أن تكون ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان؟ 

 

عبّر رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون عن استعداد لبنان لاستئناف المفاوضات بشأن ترسيم الحدود البحرية المتنازع عليها مع اسرائيل، بشكلٍ يحافظ على حقوق لبنان وسيادته في كانون الثاني 2022، بعد زيارة قام بها موفد واشنطن لملف ترسيم الحدود البحرية بين لبنان واسرائيل آموس هوكشتاين لعون، وبعد أن كان قد زار إسرائيل قبل نحو أسبوعين والتقى وزيرة الطاقة الإسرائيلية.

 

لم يمر قرار العودة إلى المفاوضات مرور الكرام إذ اتهم بشكل غير مباشر رئيس الوفد العسكري المفاوض في ملف ترسيم الحدود العميد الركن بسام ياسين رئيس الجمهورية بالتفريط بحق لبنان عبر القبول باعتماد الخط 23 بدلًا من الخط 29 في المفاوضات القادمة مع إسرائيل خلال مقابلةٍ أجريت معه عبر شاشة "الجديد" في برنامج "الحدث" 14 شباط 2022، معتبرًا أن هذا القرار يناقض تمسك عون بالخط 29 خلال كافة الاجتماعات السابقة التي قام بها  مع الوفد العسكري.

 

 

كما أكد ياسين في بيان له يوم السبت 12 شباط 2022 أن الخط 23 غير تقني أو قانوني وتشوبه الكثير من العيوب بحيث لا يمكن الدفاع عنه في المفاوضات" مذكرًا بأن هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل قد أصدرت قرارًا يؤكد هذه العيوب. واعتماد الخط 23 بدلًا من الخط 29 يخسر لبنان مساحة كبيرة تصل الى 1,430 كم2 كما يخسره أيضًا حقلًا غنيًا بالمواد النفطية والغازية أي حقل كاريش الذي تعمل فيه حاليا شركة يونانية لصالح إسرائيل والبلوك 72، لينقل التفاوض إلى حقل قانا اللبناني بمساحة 860 بدلًا من 2290 كم2.

 

تراجع لبناني لصالح إسرائيل وتعديات قانونية

 

يتبع ترسيم الحدود البحرية منهجية واضحة ومحددة وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار التي مضى عليه لبنان، كما أنه يمكن اللجوء إلى قرارات دولية اتخذت بقضايا ترسيم حدود بحرية سابقة عند الاختلاف في تأويل بنود هذه الاتفاقية لتفسيرها بشكلٍ أوضح. 

 

تشوب الخط 23 الكثير من الشوائب القانونية والتقنية في الترسيم، كونه بالدرجة الأولى خط عشوائي. ولكن وفق أي أسس يعتبر عشوائيًا؟ 

 

تعتبر رأس الناقورة هي آخر نقطة حدودية بين لبنان وفلسطين المحتلة وهي واقعة تاريخية ليست بجديدة، إذًا للانطلاق بترسيم الحدود البحرية النقطة الواضحة للبدء منها هي رأس الناقورة ولكن وفق خبيرة النفط والغاز لوري هايتيان الخط 23 لا ينطلق من رأس الناقورة بل من على بعد أميال في البحر، وفي هذه الحال كون الحدود بين البلدين ثابتة وصخرية غير متحركة كنهر على سبيل المثال، يعتبر الخط 23 غير صحيح تقنيًا وقانونيًا وفق بنود الاتفاقية.   

 

أما الخط 29 ، فأكدت هايتيان أن "أغلبية المسؤولين في لبنان كي لا نجمع، يعلمون بوجود الخط 29 أقله من سنة 2019، وإذا نظرنا إليه نرى أنه يبدأ من رأس الناقورة"، كما أنه يتبع منهجية ترسيم الحدود التي تنص عليها الاتفاقية التي تقوم على ثلاث مستويات أساسية:

 

أولاً، "Equidistant lines" اتخاذ خط التساوي بين الخطوط الأساسية لكل من الجانب اللبناني والاسرائيلي وينطلق منهما رسم الخط 29 ليكون متوازيًا من الجانبين.

 

ثانيًا، "Special circumstances" النظر في أي حالات استثنائية مرتبطة بالمساحة التي يتم الترسيم عليها لدراسة ما إذ يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار أو لا، وشرحت هايتيان أنه "في قضية لبنان يوجد صخرة تخيليت وهي جزء من مجموعة الجزر في إسرائيل، ورأت الجهة اللبنانية أنه في حال أخذها كجزء لا يتجزأ من الحدود البحرية سيخسر لبنان مساحات شاسعة وبالتالي لن يكن هناك عدالة في عملية الترسيم".

 

وثالثًا "Disproportionate impact/effect" التي تعتمد على أخذ جزء ما بعين الاعتبار أو تركه كما في حالة صخرة تخيليت التي يعتبر الجانب اللبناني أنه لا يجب أخذها مما يضعنا أمام الخط 29، ولتثبيت أحقية القرار اللبناني حصل المفاوضون من الجانب الإسرائيلي على قرارات تخص ترسيم الحدود البحرية بين الصومال وكينيا لدى المحكمة الدولية وهي الأهم في قضايا ترسيم الحدود. ففي صوماليا تتواجد سلسلة جزر مماثل للجزر الاسرائيلية و صخرة مماثلة لصخرة تخيليت لم تعطيها المحكمة أي أثر في ترسيم الحدود لأنه يطبق عليها بند الـ Disproportionate effect ما يحقق العدالة للجانب الكيني".  

 

وانطلاقًا من القضية التي قدمتها المحكمة الدولية - وهي إحدى الأجهزة الرئيسية الست للأمم المتحدة، تعمل على  حل النزاعات بين الدول وفقًا للقانون الدولي وتقدم آراء استشارية في القضايا القانونية الدولية- ، أوضحت هايتيان أنه "بالنظر إلى هذه المستويات الثلاث يتبين بأن الخط 29 يعتمد هذه المنهجية القانونية في الترسيم ويعطي للبنان حقه في مياه المنطقة الاقتصادية الخالصة وكان من المفترض أن تكون المفاوضات حول إعطاء هذه الصخرة الأثر الكامل أو صفر أثر أو نصف أثر". 

و أضافت "إن اختيار لبنان الخط 29 هو قرار صحيح خصوصًا أننا سندخل في مفاوضات لن نحصل بها على مطالبنا مئة في المئة وهو ما أكده الموفد الأميركي في زيارته الاخيرة للبنان. ولكن التراجع الأخير من المرجعية  الأعلى في المفاوضات وهو رئيس الجمهورية التي أرجعت لبنان إلى التفاوض على الـ 860كم2 وانطلاقًا من الخط 23 هو خطأ قانوني وتقني كبير كون لبنان لن يحصل حتى على هذه المساحة بل سيتقاسمها مع إسرائيل وبالتالي هذا دليل على رضوخ لبنان لمطالب الجانب الآخر". 

 

مراحل ترسيم الحدود البحرية… أخطاء وانتهاكات

 

يخوض لبنان معركة ترسيم الحدود البحرية مع اسرائيل منذ نشأته عام 1948، ولكن بدأت عملية ترسيم الحدود الفعلية عام 2002 حين كلفت الحكومة اللبنانية مركز "ساوثمسون" لعلوم المحيطات بالتعاون مع المكتب الهيدروغرافي البريطاني بإعداد دراسة لترسيم حدود مياهه الإقليمية والمنطقة الاقتصادية الخالصة وذلك بغية إجراء عمليات مسح جيولوجي للتنقيب عن النفط والغاز في هذه المنطقة. وواجه المركز عدة صعوبات آنذاك في الترسيم بسبب عدم توفّر خرائط بحرية دقيقة وواضحة لمنطقة جنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلة وبذلك كان الترسيم غير دقيق.

 

استمرت محاولات ترسيم الحدود البحرية اللبنانية، بحيث انتقل لبنان من خط رقم 1 إلى خط "هوف" وأخيرًا إلى خط 23. وفي عام 2010 بلّغ لبنان الأمم المتحدة بقرار تحديد حدود لبنان البحرية وفق خط 23 بمساحة إضافية قدّرت بـ 860 كم2  وأصدر مجلس الوزراء عام 2011 مرسوم 6433 مثبتًا حدود لبنان البحرية على خط 23. 

 

ولكن خلال السنة ذاتها أصدر المكتب الهيدروغرافي البريطاني UKHO دراسة أكدت أن المنطقة الاقتصادية البحرية للبنان يمكن أن تمتد إلى مساحة أكبر من خط 23 في حال عدم احتساب أثر صخرة تخيليت مما يزيد مساحة تقارب 1400 كم2 فتصبح ونتيجة لذلك المساحة التي يجب التفاوض عليها 2290 كم2

 

نام الملف في أدراج مجلس الوزراء الى حين عام 2020 حيث أعيدت المفاوضات مع إسرائيل في شهر تشرين الأول وامتدت إلى خمس جولات حتى أيار 2021 وتأجلت بعدها الجولة السادسة بسبب إصرار الجانب الإسرائيلي على حصر المفاوضات على مساحة 860 كم2  حتى الخط 23 وليس 2,290 كم2  أي باحتساب الخط 29.

 

وانتهت المفاوضات بين الطرفين بتقديم الوفد اللبناني خريطة جديدة تدفع باتجاه 1430 كم2  إضافيًا للبنان وهو ما رفضته إسرائيل.

 

لم يحدد حتى الآن التاريخ النهائي للجولة السادسة بين الطرفين اللبناني والاسرائيلي، ولكن تدور العديد من التساؤلات عن السبب الذي دفع برئيس الجمهورية إلى التراجع عن الخط 29 والذهاب إلى التفاوض بالخط 23 علمًا أنه كان من أكثر المتمسكين بالخط 29 إذ يعتبر من الحقوق البحرية الكاملة للبنان ولا يجب التفريط به أو التخلي عنه لصالح إسرائيل. وعلى أثر هذه الأحداث الأخيرة تعود الضبابية لتخيّم على ملف ترسيم الحدود البحرية مع تناقض الآراء داخليًا حول الخط الذي يجب اعتماده في المفاوضات المقبلة. 

 

TAG : ,ترسيم ,ترسيم الحدود البحرية اللبنانية اللسرائيلية ,لبنان ,حدود بحرية ,خط29 ,خط23 ,مفاوضات ترسيم