صحيح جزئياً
يعتبر ملف صلاحيات رئيس الجمهورية وتعديلها، من الملفات التي لم تقفل وخلاف دام على مر 33 سنة على أمل استعادة صلاحيات الرئيس المقيّدة بفعل اتفاق الطائف الذي أبرم عام 1989 في منطقة الطائف في السعودية كتسوية سياسية لوقف سفك الدماء في الداخل اللبناني، والذي اعتبره كثيرون ثمن دفعه اللبنانيون عمومًا والمسيحيون خصوصًا على حساب تحجيم رئاسة الجمهورية.
وهذا ما أثنى عليه رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل في فقرة على مواقع التواصل الاجتماعي بعنوان "دقيقة مع جبران" مضيفًا أنه "كان الثمن الوحيد للتخلص من الرئيس عون آنذاك ولو على حساب صلاحيات رئيس الجمهورية".
واتهم باسيل رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع بمتابعة محاولاته لتحجيم ما تبقى من الصلاحيات الرئاسية "إذ أصبح جعجع يعتبر أن دور الرئيس باش كاتب لا يشارك بتأليف الحكومة بل يوقع فقط على مرسوم تأليفها، ومحاولًا إلزام الرئيس بمهلة محددة لإجراء الاستشارات النيابية،… كما خرق حق الرئيس برد أي قانون وألزم مجلس النواب بالتصويت عبر أكثرية مطلقة معززة بـ65 نائب بدلًا من 59 لكسر قرار الرئيس عون".
فما هي الصلاحيات الرئاسية التي كان يتحلى بها رئيس الجمهورية وماذا خسر منها بعد اتفاق الطائف؟ وهل هناك محاولات لسلب ما تبقى من صلاحيات رئاسية في الفترة المنصرمة كما يشير باسيل؟
وفق دستور عام 1926
امسك رئيس الجمهورية بصلاحياتٍ شبه كاملة السلطة الإجرائية أو ما يعرف بالتنفيذية ويعاونه الوزراء، كما كان له صلاحيات واسعة في تشكيل الحكومة عبر تعيين الوزراء وتسمية رئيسها وإقالتهم متى رغب. وفي توقيع مقررات مجلس الوزراء كان يوقّع الرئيس الجمهورية ويشاركه بالتوقيع الوزير أو الوزراء المختصون ويشارك رئيس الجمهورية الحكومة توقيع مرسوم إصدار القوانين.
أما على صعيد السلطة التشريعية فكانت من صلاحيات رئيس الجمهورية وحده دعوة مجلس النواب إلى عقد جلسة استثنائية، كما كان يمكنه حلّ مجلس النواب عبر قرارٍ معللٍ بموافقة الحكومة. كما لرئيس الجمهورية ومجلس النواب حق اقتراح القوانين.
وبحسب دستور عام 1926 غير المعدّل، كان يعتبر رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة منصبًا وعملًا، إذ كان لديه سلطة مباشرة ومطلقة.
ماذا عن الصلاحيات الرئاسية المتبقية بعد الطائف
مع اتفاق الطائف بات رئيس الجمهورية اللبنانية قائدًا للقوات المسلحة بشكلٍ صوري، من دون أي مفاعيل مباشرة، إذ أضاف الطائف " رئيس الجمهورية قائدًا للقوات المسلحة التي تخضع لسلطة مجلس الوزراء" باعتبار أن المجلس مجتمعًا يعتبر سلطة إجرائية.
انتقلت السلطة الإجرائية /تنفيذية من رئيس الجمهورية إلى يد مجلس الوزراء مجتمعًا، بفعل التعديلات التي طرأت على الدستور اللبناني خلال اتفاق الطائف، وبهذا بات اليوم يقتصر دور رئيس الجمهورية على الحضور إلى الجلسات أو ترأسها إذا رغب من دون الإدلاء بصوته، مما قيّد صلاحيات الرئيس إلى حدّ إلغاء وجوده إذ يحضر من دون التصويت. كما أيضًا يمكنه دعوة مجلس الوزراء إلى عقد جلسة استثنائية عندما يرى ذلك ضرورة ملحّة بالاتفاق مع رئيس الحكومة. ويشارك في توقيع مراسي وقرارات جلسة مجلس الوزراء رئيس الجمهورية مع كل من رئيس الحكومة والوزير والوزراء المختصين كما يشارك الرئيس توقيع مرسوم إصدار القوانين مع الحكومة.
كما قُيّدت صلاحيات رئيس الجمهورية في ما يخص إصدار المراسيم وأصبح متاحًا له أن يطلب من مجلس الوزراء إعادة النظر في القرارات التي اتخذت في المجلس خلال 15 يومًا من تاريخه، وفي حال أصرت المجلس على القرارات أو قضت المهلة من دون إصدار المرسوم أو إعادته يعتبر نافذًا حكمًا.
أما من جهة تشكيل الحكومة وتسمية رئيسها، أصبح رئيس الجمهورية يتشاور مع رئيس مجلس النواب لتسمية رئيس الحكومة المكلّف واستنادّا إلى الاستشارات النيابية الملزمة التي تفضي أكثريتها بالإجماع على اسم شخص معيّن. وفي التشكيل بات الرئيس شريكًا لرئيس الحكومة المكلّف في اختيار أسماء الوزراء والتوقيع معًا على مراسيم التأليف وبإمكان رئيس الجمهورية عرقلة المسار التأليفي للحكومة في حال لم يتم تلبية الشروط التي وضعها.
لم يقتصر اتفاق الطائف على تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية تشريعيًا ولكن حجّم أيضًا وجوده تنفيذيًا، إذ بات يمكنه دعوة مجلس النواب إلى عقود استثنائية ولكن بالاتفاق مع رئيس الحكومة، ولم تعد من صلاحياته حل مجلس النواب بل ربطها اتفاق الطائف بحالات محددة أوردها في الدستور وعليه أصبح بإمكانه الطلب من مجلس الوزراء حل البرلمان وفي حال قبلة الحكومة يُصدر رئيس الجمهورية المرسوم وبالتالي تاب قرار الحلّ رهن موافقة مجلس الوزراء.
أما بما يخص إصدار القوانين، بات متاحا له، طلب إعادة النظرة في القانون مرّة واحدة ضمن مهلة محددة وإذا ما أعاده، أو انقضت المهلة من دون إصدار القانون، يحق لمجلس النواب بأغلبية أعضائه التصويت بـ 65 صوتًا وعليه يعتبر نافذًا.
هل من محاولات في الآونة الأخيرة لنزع ما تبقى من صلاحيات رئاسية؟
اعترض رئيس مجلس النواب نبيه بري في شهر كانون الثاني 2022، إثر توقيع الرئيس عون على مرسوم العقد الاستثنائي وفق برنامج أعمال محدد واعتبر أن "المجلس سيد نفسه ولا يقيده أي وصف للمشاريع أو الاقتراحات التي يقرر مكتب المجلس طرحها".
ولكن أوضح رئيس منظمة جوستيسيا الحقوقية المحامي بول مرقس في بيان صادر على موقع جوستيسيا أن المادة ٣٣ من الدستور واضحة وصريحة حيث يعين رئيس الجمهورية تاريخ افتتاح الدورات واختتامها وبرنامجها.
ويشدد مرقس على أن رئيس الجمهورية لم يرتكب أي مخالفة دستورية مؤكدًا أنه في الدورات الاستثنائية يحق للرئيس تقييد المجلس النيابي، موضحًا أن الاجتهادات بمعرض النص الصريح ولكن في ضوء الممارسة كان دائما رئيس الجمهورية هو من يحدد جدول أعمال الجلسات في العقد الاستثنائي وما ستبحثه من اقتراحات ومشاريع قوانين من دون تحديد الموضوعات كما فعل راهنًا. كما لا يحق لهيئة مكتب المجلس وضع اقتراحات ومشاريع أخرى على جدول الأعمال.
ولكن شدد مرقس في حديثٍ مع "مهارات نيوز" أنه لا يمكن الجزم أو التصريح بأنه هناك محاولات تحجيم ما تبقى من صلاحيات رئاسية ولكن بحسب الأحداث يمكننا القول بأنها تعارض الدستور.
إذًا، ما ورد في كلام باسيل صحيح جزئيًا، حيث أن اتفاق الطائف قيّد صلاحيات عدة لرئيس الجمهورية وأبقى على أخرى، ولكن ما من أدلة كافية تثبت محاولة انتزاع ما تبقى من صلاحيات رئاسية.