Loading...
استيراد المازوت بآلية سبوت كارغو.. كيلا يتحوّل "الاستثناء"الى قاعدة

 

شرّع إعلان وزير الطاقة والمياه اللبناني ريمون غجر لاستيراد مادة "الديزل أويل" (مازوت) وفق آلية "Spot Cargo" (الشحن السريع والمحدد) أسئلة عن فرضيّة تحوّل الآلية المؤقتة الى دائمة، بسبب الحاجة وضيق الوقت، كما هو الحال في تجارب لبنانية كثيرة، بالنظر الى أن هذه الآلية الاضطرارية لا تضمن ضبط سقف الاسعار بسبب تقلبات السوق الخاضع للعرض والطلب، خلافاً للمناقصات العمومية لكميات أكبر، التي يفترض أن توفر ضبطاً أكبر للاسعار على ضوء الالتزام بشروط العقود. 

وسارعت الحكومة اللبنانية، تحت ضغط العتمة الناتجة عن انقطاع التيار الكهربائي بشكل متكرر، وانقطاع التيار من المولدات الرديفة، في شهر حزيران/يونيو الماضي، الى اللجوء الى آلية Spot Cargo لتأمين المشتقات النفطية بطريقة سريعة، عبر استدراج عرض يتيح تسليم الكمية من مادة "الديزل اويل" (مازوت) خلال 17 يوماً. وبرّر غجر اللجوء الى هذه الآلية "لأنها تفتح المجال أمام شحنات (الديزل أويل) الجاهزة للتسليم في وقت قصير ولأن كمياتها أقل من الكميات التي تطلب في المناقصات العادية".

وعقد "السبوت كارغو" أو  Spot Contract أم "العقد الفوري"، هو في العرف التجاري "عملية تسليم واحدة، على عكس العقد ذات الاجل المحدد حيث تتم عمليات التسليم بانتظام على مدى فترة أطول والتي يمكن أن تكون سنة واحدة أو حتى عدة سنوات"، بحسب ما يقول روبن ميلز من شركة "قمر للطاقة" لـ"مهارات نيوز"، شارحاً انه "يمكن استعمال العقود الفورية عندما تكون هناك حاجة واحدة غير متوقعة مثلاً لملء نقص مفاجئ".

إعلان..لا مناقصة

لا تتطلب آلية "سبوت كارغو"، اجراء مناقصة عامة، وتكتفي بإصدار إعلان من قبل وزارة الطاقة عن الحاجة لكمية من المشتقات النفطية، تراعي المواصفات التي تطلبها وزارة الطاقة، وتضمن تسليمها بالوقت المحدد. علماً أن الشكل المعتمد في استيراد منشآت النفط اللبنانية للمشتقات النفطية، يتمثل في استدراج المنشآت عروضاً لاستيراد كميات من المازوت (وبنزين أيضاً منذ أواخر العام 2019) يتم تسليمها على دفعات وفق جدول زمني يتم فيه تسليم الكمية المحددة، مع اتفاق على آلية الدفع التي تتم وفق اعتمادات مفتوحة.

وعادة ما يستخدم العملاء مزيجاً من العقود الفورية والعقود الزمنية، ويوضح ميلز انه "تُعتمد العقود ذات الآجال المحددة لتلبية طلب ثابت على المدى الطويل، مع استخدام أقل للعقود الفورية لموازنة التغيرات غير المتوقعة في الطلب"، خلافاَ لاعتماد العقود ذات الآجال المحددة لتلبية طلب ثابت ومتوقع على مدى فترة مثلا لمحطة كهرباء أو مصفاة.

ولا يرى الضليعون بتلك العقود ان هناك تأثيرات على الجودة. ويؤكد ميلز ان العقد يعطي مواصفات الوقود وشروط الاختبار أو الاعتماد، كما يحدد بند الجزاء أو التدابير الأخرى إذا كان الوقود الذي تم تسليمه لا يتلاءم مع المواصفات. ويشير الى ان البائع في آلية الـ spot cargo "يتحمل مسؤولية جودة الوقود، ولكنه عادة ما يقتصر فقط على التعويض عن التكاليف المباشرة لاستبداله وإزالة أي وقود لا يلائم المواصفات".

واضطرت الحكومة الى هذه الآلية، بسبب الفشل لمرتين بإجراء مناقصة للمازوت، في 13 إبريل/نيسان و18 مايو/أيار 2020 إذ أخفقت في جمع 3 شركات، كما يفرض القانون، ولم يتقدّم إلا عارض واحد، وأتى السعر في المناقصة الثانية أعلى بكثير من آخر مناقصة. أما في المرة الثالثة، فلم تقدم اي شركة عروض، ما دفع الحكومة للجوء الى آلية "السبوت كارغو"الاستثنائية.

يُشار الى ان المناقصات العمومية لاستيراد المنشآت كمية من المازوت، لا تخضع عادة لادارة المناقصات، لأن المنشآت تعمل بعُرف تجاري، وتخضع لرقابة لاحقة من ديوان المحاسبة، بحسب ما ينص المرسوم المتعلق بمهام منشآت النفط في الزهراني وطرابلس الذي يحمل الرقم 79/77 . وعادة ما كانت في السابق تستدرج العروض وفق مناقصة عمومية لاستيراد كمية محددة، وليس لتزويد المنشآت بالمادة لفترة زمنية لمدة عام او أكثر أو أقل، كما يشيع البعض.

استثناء وحاجة متزايدة

فرض تراكم الازمات في لبنان، اللجوء الى آلية "سبوت كارغو" بطريقة استثنائية. فالمصارف لا تفرج عن أموال الشركات بالعملة الصعبة المعدة للإستيراد، وتفرض الاجراءات المصرفية على الشركات في هذا الوقت تأمين 10% من المبالغ المعدة للتحويل الى الخارج بالعملة الصعبة (يمكن ان تكون شيكاً مصرفياً) الى جانب 90% من العملة المحلية على سعر الصرف الرسمي، وهو ما قلّص قدرة بعض الشركات على الاستيراد. وتُضاف الى ذلك، مشكلة فتح الاعتمادات لمنشآت النفط في مصرف لبنان، ما اضطر المنشآت لاستيراد كميات قليلة، عبارة عن باخرة واحدة يتراوح سعرها بين 13 و14 مليون دولار، خلافاً لتجارب سابقة كانت تُجرى عليها عروض لاستيراد 5 بواخر تسلم في مواقيت مختلفة (مع تسهيلات في الدفع بموجب فتح اعتمادات مصرفية)، فضلاً عن الحاجة الفورية للمازوت واعتكاف الشركات عن المشاركة بالعروض، وهي حاجة متزايدة فُرضت على منشآت النفط بفعل تقلص استيراد القطاع الخاص للمازوت.

ففي العام 2019، استوردت منشآت النفط ما يقارب الـ900 الف طن من المازوت لتغطية نحو 36% من حاجة الاستهلاك المحلي للمادة، فيما استوردت الشركات الخاصة ما يناهز الـ1600 الف طن. أما في العام 2020، فقد تضافرت عوامل إضافية تدفع منشآت النفط لاستيراد كمية أكبر، بفعل إحجام القطاع الخاص عن الاستيراد، وبفعل انقطاع الكهرباء المتزايد، ما يضطر اصحاب المولدات، وهي شبكة انتاج الكهرباء الرديفة العاملة على المازوت، لتشغيل مولداتهم فترة زمنية أطول، ما يزيد الحاجة لمادة المازوت.

تحدي الاسعار

عندما تم استدراج عروض لشراء 60,000 طن من الديزل أويل (المازوت) لمنشآت النفط في طرابلس والزهراني عبر آلية الـ Spot Cargo، راهن وزير الطاقة على أن "الكميات أقلّ يعني حجز اعتماداتها أقلّ مما يؤمّن مرونة في فتح الاعتمادات كما أنها تدخلنا على سوق أوسع من الشركات العالمية التي لديها فائض بالمخزون وبحاجة الى أسواق جديدة تصرف الفائض"، كما راهن على ان "تنوّع المصادر يزيد المنافسة وهكذا نحصل على أسعار أفضل لصالح المنشآت ونؤمن في الوقت نفسه حاجات السوق حسب الطلب".

وفيما لم تعلن المنشآت عن السعر الذي حصلت عليه من الشركة التي أفرغت جزءاً من حمولتها في 18 تموز/يوليو في منشآت النفط في طرابلس، والجزء الثاني في 19 تموز في الزهراني، يرى خبراء أن الترويج لشراء المازوت بسعر مقبول، "لا يمكن النظر اليه على انه واقع غير متغيّر"، ذلك انه عُرفاً، في الاسواق الدولية، تتكلف الحكومات حين تضطر للاستيراد وفق آلية "السبوت كارغو"في بعض الاحيان، مبالغ إضافية، وذلك يعود الى العرض والطلب وسرعة تأمين المادة والكمية التي تستوردها، خلافاً للتعاقد طويل الامد مع الشركات.

ومع أن هذه الآلية في الاستيراد يمكن أن تكون أسرع لأن المزيد من البائعين يمكن أن يشاركوا، يفسّر ميلز ان الكمية ستكون أقل لأنها مخصصة لعملية تسليم واحدة وليس عدة عمليات تسليم. وعادة ما تعتمد الكمية المطلوبة على الطلب ولكن أيضاً على سعة الناقلات وميناء التسليم. ويقول: "بشكل عام، الكمية الكبيرة تحصل على سعر ملائم أكثر".

غير أن وزارة الطاقة، تؤكد ان السعر ليس أعلى من سابقه، بالنظر الى ان العروض تمت وفق آلية شفافة، تختار منها العرض الافضل لناحية السعر الذي لا يتخطى الهامش الذي تبيع به في السوق، ولا هامش الاستيراد السابق. وتشرح مصادرها ان النقص الطارئ في المادة، يدفع للاعلان عن طلب شراء، تتقدم  به شركات، بحسب الاعلان المنشور على موقع المنشآت، وترسل عروضها ببريد الكتروني "مشفر"، يتم فتحه لدى قراءة العروض جميعها لاختيار الانسب والافضل منها. وتولي وزارة الطاقة أهمية لوصول المنتج على الوقت، ضمن الشروط والمواصفات التي تضعها الوزارة، كما تسعى لضمانة مشاركة أكبر قدر من الشركات العارضة ما يتيح المنافسة.

كما تؤكد وزارة الطاقة ان السعر يرتبط بالوقت وتوفر المنتج المطلوب، على ان يكون ضمن الهامش الذي تضعه الوزارة ولا يتخطاه. وتختار الوزارة يوم فضّ العروض، السعر الاقل بالمواصفات المطلوبة والشروط التي وضعتها الوزارة. وتقول مصادرها ان الشراء وفق آلية "السبوت كارغو"في هذه الظروف حيث يتراجع سعر النفط عالمياً، هو أقل تكلفة من آلية المناقصات على كميات كبيرة، لأن الكمية الصغيرة (30 ألف طن استوردتها في الشحنة الاخيرة) ستكون متوفرة عند عدد أكبر من الشركات، خلافاً لكمية تتألف من 5 بواخر مثلاً، بما يتيح المنافسة أكثر على السعر، عملاً بقاعدة "مشاركة أكثر، يعني منافسة أكبر، وسعر أقل".

والحال ان السعر، ليس ثابتاً في العادة، ويخضع للعرض والطلب والكمية المتوفرة في مخزون الشركات. ومن موقعه في شركة ذات نشاط دولي، يؤكد ميلز ان "التسعير في العقود الزمنية عامة يكون مرتبطاً بمؤشر منشور وتفاضل ثابت". اما التسعير في العقود الفورية "فيمكن أن يكون سعراً ثابتاً متفقاً عليه أو مرتبطاً أيضاً بقيمة المؤشر في يوم التحميل أو يوم التسليم". ويضيف ميلز: "يمكن لمعدل التسعير في العقود الزمنية أن يكون أقل سعراً، ولكن ذلك يعتمد على ظروف السوق"، ذلك ان "العقود الزمنية تقلل تقلبات الأسعار للمشتري والبائع".