Loading...
Zain و Orascom تواطؤ كورونا مع شركتي

 

بعد انتهاء عقدي الشركتين الأجنبيتين Zain وOrascom في نهاية عام 2019، يماطل وزير الاتصالات في إجراءات استعادة القطاع تحت ذريعة جائحة كورونا. فهل ينقذ الوباء الشركتين من انهاء عقديهما؟ وهل الحديث عن استعادة القطاع هو خطاب شعبويّ بحت؟

يعدّ قطاع الاتصالات في لبنان من أهمّ القطاعات المنتجة الّا أنّه حتى اليوم لم يتمّ استخدامه بالشكل الفعّال الذي يرتقي إلى المستويات والمعايير المطلوبة من ناحية الكلفة، السرعة، الجودة وتحقيق الأرباح. في الآونة الأخيرة، استأثرت قضيّة استعادة قطاع الاتصالات من الشركات الأجنبيّة بحيّز من الجدل خاصةً وأنّها أتت بشكل مفاجئ. الّا أنّ إجراءات الاستعادة وتأثيرها على المواطن ما زالت معالمها غير واضحة. فممّا لا يمكن نسيانه أنّ شرارة انتفاضة 17 تشرين الأول 2019 اتّقدت بسبب اقتراح لفرض ضرائب على خدمة الواتساب أي كانت مرتبطة بقطاع الاتصالات ومشاكله وسخط المستخدمين من غلاء هذا القطاع في لبنان. فيبقى السؤال الأهم: هل سيشعر المواطن بأي تغير إيجابي في قطاع الاتصالات جرّاء هذا القرار؟

يشدّد الخبراء في قطاع الاتصالات على الارتباك في إدارة هذا القطاع وفقدان الرؤية الواضحة والمستدامة بالإضافة إلى الهدر ليس فقط في القطاع العام والشركات المحليّة (Mic 1 وMic2) بل أيضاً في القطاع الخاص الأجنبي أي شركتي Zain Group و Orascomالمسؤولتين عن إدارة شركتي Alfa وTouch.

الخلفيّة:

تمتلك الدولة اللبنانيّة قطاع الاتصالات اليوم بجميع أصوله وتتولّى وزارة الاتصالات توفير خدمات الاتصالات من خلال إدارة العقود التي تبرمها والتي تجعلها بمثابة شركة قابضة ومنها العقود المبرمة مع Alfa وTouch المسؤولتين عن إدارة قطاع الخليوي. ففي عام 2002، تم انشاء عقود ائتمانيّة مع شبكتي (Mic1 وMic2) اللبنانيّة والتي يتم إدارتها وتشغيلها من شركتي Alfa وTouch بموجب عقود ادارة وتشغيل مع الوزارة. وتعود إدارة Alfa الى شركة "أوراسكوم"المصرية، في حين تعود إدارة Touch الى شركة "زين"الكويتية. أمّا Alfa وTouch فهما اسمان تجاريان ملك الدولة اللبنانيّة.

فيما ملكية الشبكتين Mic 1 وMic2 يأتي عبر عقود ائتمانية fiduciary agreement مع المصارف (أي القطاع الخاص) وأكبر المساهمين هما فرنسبنك (Mic 1) وبنك عودة (Mic 2). فالشبكتان هما شركتان مساهمتان محليّتان تندرجان في الذمة المالية للدولة وأسهمهما مجيّرة للدولة اللبنانيّة. في حين يلعب المصرفان دور المؤتمن أو الوكيل.

وينظّم قطاع الاتصالات في لبنان القانون 431 الصادر عام 2002 الذي يهدف إلى تطوير القطاع وينصّ على مبدأ المساواة والمنافسة وعلى أهميّة إنشاء هيئة ناظمة للقطاع تتمتّع بالاستقلاليّة والنزاهة ويحدّد القانون صلاحيّات الوزير والمعايير المطلوبة لخدمات الاتصالات. 

في العام المنصرم، تمّ تأليف لجنة تحقيق نيابيّة بالطلب من لجنة الاعلام والاتصالات النيابيّة التي "بيّنت أن حجم الهدر والفساد يتخطّى الـ 250 مليون دولار سنويّاً بالإضافة إلى الصرف والتبذير الذي يتخطى الـ 600 مليون دولار في السنة"بحسب الناشطة نعمت بدرالدّين، في مقابلة لها مع "مهارات نيوز".

النفقات الرأسماليّة والتشغيليّة ومتوسط الإيرادات من كل مشترك:

وفقاً لسلام يموت، خبيرة الاتصالات والمنسقة الوطنية السابقة لاستراتيجية تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في مجلس الوزراء، تنقسم نفقات قطاع الاتصالات إلى:

  1. ايجارات المحطّات والمكاتب: بلغت حوالي الـ 20 مليون دولار لكلّ من Alfa وTouch حتى عام 2018
  2. صيانة الشبكة: بلغت حوالي الـ 15 مليون دولار لـ Touch و10مليون دولار لـ Alfa حتى عام 2018
  3. الدعاية والإعلان والرعاية: بلغت حوالي الـ 20 مليون دولار لكلّ من Alfa وTouch حتى عام 2018

أمّا متوسط الإيرادات من كل مشترك فبلغ حوالي الـ $22 للمشترك في Touch و$24.8 للمشترك في Alfa وهو مرتفع جدّاً بالمقارنة مع دول أخرى مثل مصر والأردن. وبحسب دراسة للـ European InvestmentBank عن دول المنطقة من العام 2010، فإن متوسط الإيرادات من كل مشترك كان أقلّ من 12 EUR في الشهر الّا أنّه في لبنان، بلغ المتوسط 28 EUR في الشهر بحسب الرسم التالي. إلّا أنّ لهذا المتوسط المرتفع عدّة أسباب منها قلّة عدد المشتركين في لبنان مقارنة بدول أخرى، شراء "التكنولوجيا"من القطاع الخاص (خاصةً الأجنبي)، الضرائب المرتفعة والسبب الأهم أنّ قطاع الاتصالات يغذّي مؤسسات الدولة الأخرى.

رسم بياني: متوسط الإيرادات من كل مشترك في دول المنطقة عام 2010، المصدر: European Investment Bank

ما المقصود باستعادة القطاع؟

لقد استغرب اللبنانيّون قرار استعادة القطاع المفاجئ، فبالرغم من شعبويّة القرار إلّا انّه أثار الكثير من التساؤلات حول خلفيّاته خاصةً أنّه أتى من جهة سياسيّة معيّنة ولم يلحقه خطوات عمليّة من الوزير المحسوب على هذا الطرف. فيتساءل البعض عمّا إذا كان هناك خلفيّة أو مصالح سياسيّة مرتبطة بهذا القرار المباغت؟

وقد يلتبس على الكثير من اللبنانيّين معنى استعادة القطاع، فالقطاع في لبنان هو ملك الدولة بالأصل الّا أنّ إدارته تم تخصيصها بعقد أبرمته وزارة الاتصالات مع شركات أجنبيّة. أمّا Alfa وTouch فهما أسماء تجاريّة لبنانيّة لن تتغيّر بتغيّر الإدارات. فالعقد مع شركتي Zain وOrascom وضع عام 2008، وتجدّد للمرّة الأولى في 2012 وأعيد تجديده سنويّاً وشهريّاً سبع مرّات انتهت في 31 كانون الأول 2019.

وما يقصد من استعادة القطاع هو استعادة إدارة الشركتين من الشركات الأجنبيّة إلى يد الشركات المحليّة أي Mic1 وMic2 ووزارة الاتصالات بطبيعة الحال ولكن هذا لا يلغي Alfa وTouch بل يعيد إدارتهما إلى الدولة أمّا عقود موظفيها فتتحوّل إلى الإدارات المحليّة باستثناء 3 مدراء من Zain و3 مدراء من Orascom ولكن لهذا الموضوع إجراءات وترتيبات قانونيّة وماديّة.

 

وفي هذه الحالة تستطيع الدولة،في حال وُجدت الإرادة وتعزّزت معايير الحوكمة الرشيدة:

  • تغيير الرزم والبيانات packages)): مثلاً أن تكون صلاحية الخط لسنة
  • تحسين الخدمات والبنى التحتيّة
  • تخفيض الضرائب على المواطنين التي تشكّل حاليّاً ما لا يقلّ عن 65% من قيمة الفاتورة

لكنّ هذا السيناريو مستبعد جدّاً الّا إذا وجدت الدولة مصدرا جديدا للإيرادات لأنّها حاليّاً بحاجة إلى تأمين هذه الإيرادات من وزارة الاتصالات لتمويل بقية مؤسسات الدولة فوفقاً لدليل "موازنة المواطنة والمواطن"الصادر عن معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي، ساهمت أرباح قطاع الاتصالات بـ 10% من مجموع إيرادات الدولة عام 2019.

 

الإجراءات الانتقاليّة:

تنصّ المادة 31 من العقود المبرمة مع شركتي زين وأوراسكوم على "التسلّم والتسليم"أي الإجراءات المتوجّبة لاسترداد إدارة القطاع من الشركتين. وتبدأ هذه الإجراءات بإرسال كتاب من وزير الاتصالات لطلب استعادة إدارة القطاع. الّا أنّه، بحسب بدرالدّين، فوزير الاتصالات الحالي، طلال حوّاط، لم يرسل بعد الكتاب للشركتين للبدء بإجراءات استعادة القطاع ممّا وصفته بـ "المماطلة والتواطؤ مع الشركتين"بهدف تأجيل استرداد القطاع لحين فتح مناقصة جديدة وتسليم القطاع لشركات جديدة دون استرجاع إدارته علماً أنّ المماطلة يترتّب عليها خسائر يوميّة تقدرها بدر الدين بحوالي 10 مليون دولار منذ انتهاء عقود الشركتين نهاية عام 2019. كما علت الأصوات المطالبة برفض إعطاء براءة الذمّة للشركتين قبل التأكّد من قانونيّة جميع ممارساتهم السابقة.
 

وبعد استعادة إدارة القطاع من الشركتين، تدير وزارة الاتصالات والشركات المحليّة القطاع في الفترة الانتقاليّة ريثما يتم اتّخاذ القرار عمّا إذا ستستمرّ الدولة بإدارة القطاع أم تفتح مناقصة جديدة لخصخصة الإدارة من جديد أم لبيع القطاع كلّه أو لإنشاء عقد إدارة جديد يبيع كلّ الأصولللقطاع الخاص مع حصول الدولة على 51% من الإيرادات على سبيل المثال.

علما القانون 431 ينصّ على ان تعمل الهيئة ناظمة للاتصالات على ضمان شفافيّة المناقصات والمنافسة فيها بحيث يجب أن تتنافس 3 شركات على الأقل وبدفتر شروط ومعايير واضحة.

الا ان هذه الهيئة التي أنشئت فعلا عاد مجلس الشورى وابطل رئاستها اذ اعتبر ان شركة ليبان تيليكوم لم يتم انشاءها وفق القانون ٤٣١ وبالتالي لا يمكن تطبيق القانون جزئيا ما يستوجب توقف الهيئة عن العمل. ان عدم وجود هيئة ناظمة فاعلة اليوم يؤثر من دون شك على الحوكمة الرشيدة للقطاع.

 

الخصخصة أم استعادة القطاع؟

تعتزم الحكومة الحاليّة في خطتها الماليّة الجديدة تحرير القطاع وفتحه أكثر أمام استثمار القطاع الخاص واستخدامه. وتنقسم الآراء في هذا المجال بين مؤيدين لادارة الدولة للقطاع ومؤيدين للخصخصة. لكلّ منهم آراءه ومواقفه: فمؤيدي ادارة القطاع من الدولة يعتبرون أنّ القطاع من القطاعات المربحة والذي يؤمن فرص عمل كبيرة وعائدات للخزينة اللبنانيّة وأنّ الدولة باستطاعتها إدارة هذا القطاع بنفسها دون الحاجة لخصخصة إدارته كما هي الحالة اليوم وبالتالي تخفيض النفقات الرأسماليّة والتشغيليّة. وخاصةً أنّ الشركات الأجنبيّة أيضاً أظهرت مستويات عالية من التبذير والهدر وبالتالي لم تكن أفضل من القطاع العام في هذه الناحية. فتحدّثت بدرالدين عن فوارق سنويّة في الإيرادات فمثلاً في عام 2011 تمّ إدخال حوالي مليار و200 مليون دولار أمّا عامي 2018 و2019 مثلاً لم تتخطّ 750 مليون دولار، فلماذا هذه الفروقات في ظلّ زيادة عدد المشتركين ممّا دفع الناشطة إلى اتهام جميع وزراء الاتصالات المتعاقبين منذ عام 2012 لغاية اللحظة بالتواطؤ مع الشركتين.

أمّا مؤيدو الخصخصة فيعتبرون أنّ الدولة بقدراتها الحاليّة لا يمكنها إدارة هذا القطاع وأنّ دولاً كبيرةً في العالم بإمكانات أقوى بكثير من الدولة اللبنانيّة قرّرت خصخصة هذا القطاع لشركات خاصة ذو خبرة عالية في المجال لما يتطلّبه من تقنيات عالية وتجهيزات وبنى تحتيّة متطوّرة ويعتبرون أنّ عدم خصخصة القطاع يكبح قدرة الابتكار والإبداع ويبقي القطاع في ركود وهذا ما أثنت عليه سلام يموت في مقابلة مع "مهارات نيوز". الّا أنّها أكّدت أنّه في الظروف الحاليّة "وفي ظلّ هذه الحكومة والسلطة القائمة على الزبائنيّة والمحاصصة"فهي لا تؤيّد الخصخصة لأنها ستكون ذريعة إضافيّة للفساد. وشدّدت أنّ عمليّة إدارة القطاع تقوم على 3 ركائز أساسيّة:

  1. الرؤية والسياسات المنظِّمة
  2. التنظيم والهيئة الناظمة للاتصالات (الحوكمة)
  3. التشغيل

 

واعتبرت أنّه عندما تجتمع جميع هذه الركائز بيد وزارة الاتصالات فمن الطبيعي أن يستشري الفساد نتيجة الهيمنة وغياب الرقابة فبرأيها دور الوزارة يكمن في بلورة الرؤية والرقابة على التشغيل. ولكن ترى يمّوت أنّ الأهم من كل هذا النقاش هو إعادة هيكلة القطاع بعيداً عن أحاديّة "حزب الخصخصة"و"حزب اللا خصخصة"". وهذا ما يوافق عليه العديد من مؤيّدي استعادة القطاع الذين بالرغم من رؤيتهم أنّ الدولة تستطيع إدارة القطاع بنفسها الّا أنّهم يعتقدون أنّ الأجدر بها أن تستعيد القطاع أوّلاً وتدرس جميع الاحتمالات وبعدها تطوّر رؤية واضحة ومستدامة تقرّر على أساسها ما الخيار الأفضل.

ويحدّد قانون 431 في مادّته الـ 46 أصول الخصخصة بأن تبيع الحكومة نسبة لا تتجاوز الأربعين بالمئة من أسهم الشركة على أن تبقى الدولة اللبنانيّة مالكة لأكثريّة الأسهم ووفقاً لدفتر شروط يضعه المجلس الأعلى للخصخصة بناءً على اقتراح الوزير ويصدر بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء. ولكن ذكرت خطة الحكومة الاصلاحيّة ضرورة مراجعة هذا القانون، فهل بهدف تعديل هذه المادّة؟

التوصيات:

يبقى ان تحسين إدارة قطاع الاتصالات في لبنان وخدماته يجب ان ينطلق بعيدا عن الشعبوية من:

  • الاتفاق على رؤية واضحة لإدارة القطاع وتشغيله
  • تعزيز الشفافيّة والمنافسة في المناقصات
  • إصلاح هيكليّة القطاع وحوكمته وتفعيل دور الهيئة الناظمة للاتصالات
  • تأمين التمويل اللازم للاستثمار ولتطوير الخدمات وفقاً للتحديثات العالميّة
  • إعادة النظر بالضرائب والخدمات

TAG : ,وزارة الإتصالات ,alfa ,touch ,Orascom ,Zain Group